أبوحامد الغزالى.. مقاوم التطرف العقلى والفلسفى
أبوحامد الغزالى.. مقاوم التطرف العقلى والفلسفى
- أخلاق الإسلام
- ابن رشد
- الحلال والحرام
- الدين الإسلامى
- القرآن الكريم
- المدينة المنورة
- بشكل عام
- طلب العلم
- علم الفلسفة
- علم الكلام
- أخلاق الإسلام
- ابن رشد
- الحلال والحرام
- الدين الإسلامى
- القرآن الكريم
- المدينة المنورة
- بشكل عام
- طلب العلم
- علم الفلسفة
- علم الكلام
أبوحامد محمد الغزّالى الطوسى النيسابورى الصوفى الشافعى الأشعرى (450 هـ - 505 هـ)، هو أحد أبرز أعلام هذا الدين على الإطلاق، فهو السيد والإمام والقطب الأعظم وأحد القلائل الذين أجمع المسلمون سابقون وحاليون على أنه مجدّد علوم الدين الإسلامى فى القرن الخامس الهجرى، فقد كان الإمام فقيهاً وأصولياً وفيلسوفاً، وكان صوفىّ الطريقةِ، كان إماماً متوجاً ورأساً من رؤوس الفقه الشافعىّ، وأحد مؤسسى المدرسة الأشعرية السنيّة فى علم الكلام، وأحد أصولها ولُقّب «الغزالى» بألقاب كثيرة فى حياته، أشهرها لقب «حجّة الإسلام»، وله أيضاً ألقاب مثل: زين الدين، ومحجّة الدين، والعالم الأوحد، ومفتى الأمّة، وبركة الأنام، وإمام أئمة الدين، وشرف الأئمة.
{long_qoute_1}
كان «الغزالى» عالماً نادراً فى العلم والتأليف، ترك بصمات ومؤلفات باتت أصولاً فى عدّة علوم، ولد وعاش «أبوحامد» فى طوس، وفيها أخذ الفقه على يد الشيخ أحمد الراذكانى، ثم رحل إلى جرجان وطلب العلم على يد الشيخ الإسماعيلى، وفى عام 473 هـ رحل «الغزّالى» إلى نيسابور ولازم إمام الحرمين أبوالمعالى الجوينى (إمام الشافعية فى وقته، ورئيس المدرسة النظامية)، فدرس عليه مختلف العلوم، من فقه الشافعية، وفقه الخلاف، وأصول الفقه، وعلم الكلام، والمنطق، والفلسفة، وجدّ واجتهد حتى برع وأحكم كل تلك العلوم، ووصفه شيخه أبوالمعالى الجوينى بأنه: «بحر مغدِق». وكان «الجوينى» يُظهر اعتزازه بـ«الغزالى»، حتى جعله مساعداً له فى التدريس، وعندما ألّف «الغزالى» كتابه «المنخول فى علم الأصول» قال له «الجوينى»: «دفنتنى وأنا حىّ، هلّا صبرتَ حتى أموت؟»، ولمّا بلغ عمره 34 سنة، رحل إلى بغداد مدرّساً فى المدرسة النظامية فى عهد الدولة العباسية بطلب من الوزير السلجوقى نظام الملك. فى تلك الفترة اشتُهر شهرةً واسعةً، وصار مقصداً لطلاب العلم الشرعى من جميع البلدان، حتى بلغ أنه كان يجلس فى مجلسه أكثر من 400 من أفاضل الناس وعلمائهم يستمعون له ويكتبون عنه العلم.
وبعد 4 سنوات من التدريس قرر اعتزال الناس والتفرغ للعبادة وتربية نفسه، متأثراً بذلك بالصّوفية وكتبهم، فخرج من بغداد خفيةً فى رحلة طويلة بلغت 11 سنة، تنقل خلالها بين دمشق والقدس والخليل ومكة والمدينة المنورة، كتب خلالها كتابه المشهور «إحياء علوم الدين» كخلاصة لتجربته الروحية، والذى بات المرجع الأعلى للتصوف الإسلامى السنى القويم، عاد بعدها إلى بلده طوس متخذاً بجوار بيته مدرسةً للفقهاء، وخانقاه (مكان للتعبّد والعزلة) للصوفية.
{long_qoute_2}
أثرت الفلسفة فى عصر أبى حامد الغزالى فى فكر الكثيرين، خاصة الفلسفة المشككة فى الدين، فتصدّى أبوحامد الغزالى لذلك وعكف على دراسة الفلسفة حتى استوعبها وفهمها، وأصبح واحداً من كبار رجالها، يقول عن نفسه: «ثم إنى ابتدأت بعد الفراغ من علم الكلام بعلم الفلسفة، وعلمت يقيناً أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوى أعلمهم فى أصل ذلك العلم.. فشمرت عن ساق الجد فى تحصيل ذلك العلم من الكتب.. ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريباً من سنة أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره، حتى اطَّلعت على ما فيه من خداع، وتلبيس وتحقيق وتخييل، واطلاعاً لم أشك فيه»، وألّف فى ذلك كتابه «مقاصد الفلاسفة» مبيّناً منهجهم. ثم بعد ذلك وصل إلى نتيجته قائلاً: «فإنى رأيتهم أصنافاً، ورأيت علومهم أقساماً وهم -على كثرة أصنافهم- يلزمهم وصمة الكفر والإلحاد، وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين، وبين الأواخر منهم والأوائل، تفاوت عظيم، فى البعد عن الحق والقرب منه».
قسّم «الغزالى» علوم فلاسفة اليونان إلى العلوم الرياضية، والمنطقيات، والطبيعيات، والإلهيات، والسياسات، والأخلاقيات، وكان أكثر انتقاد «الغزالى» للفلسفة المتعلقة بالإلهيات، وقد ألّف كتاباً مخصوصاً للرد عليهم فى هذه الـ20 مسألة سمّاه «تهافت الفلاسفة»، وفيه هاجم الفلاسفة بشكل عام والفلاسفة المسلمين بشكل خاص، وجاء بعده «ابن رشد» فردّ على «الغزالى» فى كتابين أساسيين هما «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»، ثم «تهافت التهافت»، يقول الفيلسوف المشهور «رينان»: «لم تنتج الفلسفة العربية فكراً مبتكراً كالغزالى»، وقد رأى كثير من علماء المسلمين قديماً أن «الغزالى» رغم حربه للفلسفة، لم يزل متأثراً بها.
مرّ «الغزالى» بمراحل كثيرة فى حياته الفكرية، كما يرويها هو نفسه فى كتابه «المنقذ من الضلال»، فابتدأ بمرحلة شكّ خلالها فى الحواس والعقل وفى قدرتهما على تحصيل العلم اليقينى، يقول: «ولما شفانى الله من هذا المرض بفضله وسعة جوده، أحضرت أصناف الطالبين عندى فى أربع فرق: المتكلمون: وهم يدعون أنهم أهل الرأى والنظر. والباطنية: وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم، والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم. والفلاسفة: وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان. والصوفية: وهم يدعون أنهم خواص الحضرة، وأهل المشاهدة والمكاشفة»، ويتابع: «فابتدرت لسلوك هذه الطرق، واستقصاء ما عند هذه الفرق مبتدئاً بعلم الكلام، ومثنياً بطريق الفلسفة، ومثلثاً بتعلّم الباطنية، ومربعاً بطريق الصوفية». فعكف على دراسة علم الكلام حتى أتقنه وصار أحد كبار علمائهم، وصنّف فيه عدة من الكتب التى أصبحت مرجعاً فى علم الكلام فيما بعد مثل كتاب «الاقتصاد فى الاعتقاد»، إلا أنه لم يجد ضالته المنشودة فى علم الكلام، ورآه غير وافٍ بمقصوده، يقول عن نفسه: «فلم يكن الكلام (أى علم الكلام) فى حقى كافياً، ولا لدائى الذى كنت أشكوه شافياً». بعد ذلك توجّه لعلم الفلسفة ودرسها وفهمها، ثم نقدها بشدة بكتابه «تهافت الفلاسفة». ثم درس بعدها الباطنية فردّ عليهم وهاجمهم. ليستقر أمره على علم التصوف.
بدأ اهتمام «الغزالى» يتّجه نحو علوم التصوف، فابتدأ بمطالعة كتبهم مثل: «قوت القلوب» لأبى طالب المكى، وكتب الحارث المحاسبى، والجنيد، وكان يحضر مجالس الشيخ الفضل الفارمذى الصوفى، الذى أخذ عنه الطريقة، فتأثر بهم تأثيراً كبيراً، حتى أدّى به الأمر لتركه للتدريس فى المدرسة النظامية فى بغداد، واعتزاله الناس وسفره لمدة 11 سنة، تنقل خلالها بين دمشق والقدس والخليل ومكة والمدينة المنورة، كتب خلالها كتابه المشهور فى التصوف «إحياء علوم الدين»، وكانت نتيجة رحلته الطويلة تلك أن قال: «وانكشفت لى فى أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذى أذكره لينتفع به أنى علمتُ يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى، خاصة أن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق».
كان من أشهر مؤلفات «الغزّالى» فى التصوف كتابه «إحياء علوم الدين»، الذى عدّه البعض أعظم ما أُلِّف فى الأخلاق الإسلامية، وقد حاز شهرةً وانتشاراً لم يقاربه فيها أحد، وقد امتدح الكتاب غير واحد من علماء الإسلام، مثل ما قاله عبدالرحيم العراقى المحدث الذى خرّج أحاديث الإحياء، حيث قال عنه: «إنه من أجلّ كتب الإسلام فى معرفة الحلال والحرام، جمع فيه بين ظواهر الأحكام، ونزع إلى سرائر دقت عن الأفهام، لم يقتصر فيه على مجرد الفروع والمسائل، ولم يتبحر فى اللجة بحيث يتعذر الرجوع إلى الساحل، بل مزج فيه علمى الظاهر والباطن، ومرج معانيها فى أحسن المواطن، وسبك فيه نفائس اللفظ وضبطه، وسلك فيه من النمط أوسطه»، وقال غيره: «من لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء»، وسبب تسمية الكتاب بإحياء علوم الدين هو القناعة التى وصل لها «الغزالى» بأن العلم والفقه الحقيقى هو الذى ينعكس على سلوك الإنسان نتيجة يقينه بأن الآخرة خيرٌ من الأولى.
وقد قسّمه «الغزالى» لأربعة أرباع؛ الأول ربع العبادات كالصلاة والزكاة والحج موضحاً لبعض التفاصيل الدقيقة المتعلقة بأثر العبادات هذه على قلب الإنسان، وربع العادات كالزواج والعمل لاكتساب الرزق، وربع المهلكات كالغرور والتكبر وحب الدنيا والجاه والإفراط فى شهوتى الطعام والجنس وجعلهما باباً واحداً، وربع المنجيات بدأه بالتوبة وأن حقيقتها معرفة الله ثم الخجل منه فالندم والاعتذار، ثم تكلم عن الصبر والخوف من الله وعبادة التفكر، ويبدأ «الغزالى» عادة فى الكتاب بشرح واستدلال بآية من القرآن الكريم ثم بحديث ثم بأخبار الصحابة ثم بأخبار الصالحين.
ألّف «الغزالى» العديد من الكتب الخالدة وقد وضع الباحثان جميل صليبا وكامل عياد قائمة بمؤلفات «الغزالى» ضمت 228 كتاباً ورسالة، ما بين مطبوع ومخطوط ومفقود، وقد تلقى العلماء كتب «الغزالى» وعلمه بالقبول الكبير؛ قال الإمام تاج الدين السبكى فى طبقاته: «ﺣﺠﺔ اﻹﺳﻼم ﻣﺤﺠﺔ اﻟﺪﻳﻦ اﻟﺘﻲ ﻳﺘﻮﺻﻞ ﺑﻬﺎ إﻟﻰ الإﺴﻼم، ﺟﺎﻣﻊ أﺷﺘﺎت اﻟﻌﻠﻮم».
توفى الإمام الغزالى يوم الاثنين 14 جمادى الآخرة 505 هـ، فى «الطابران» فى مدينة طوس، ولم يعقب إلا البنات. روى أبوالفرج بن الجوزى فى كتابه «الثبات عند الممات»، عن أحمد (أخو الغزالى): «لما كان يوم الاثنين وقت الصبح توضأ أخى أبوحامد وصلّى، وقال: «علىّ بالكفن»، فأخذه وقبّله، ووضعه على عينيه وقال: «سمعاً وطاعة للدخول على الملك»، ثم مدّ رجليه واستقبل القبلة ومات قبل الإسفار». وقد سأله قبيل الموت بعض أصحابه، فقالوا له: أوصِ. فقال: «عليك بالإخلاص» فلم يزل يكررها حتى مات.