الرئيس «فائض» الصلاحيات

أحمد فكرى

أحمد فكرى

كاتب صحفي

«مهمة عسيرة أن تحاول إيقاظ بلد نائم»، قالتها لى صديقة فرنسية تعليقاً على ما أسمته بـ «التركة الثقيلة» التى ورثها الإخوان المسلمون فى مصر، لافتة: «تسنى للفقر والفساد والجهل والمرض سنوات طويلة لينهش روح مصر، ويأخذها إلى غيبوبة الموت.. الآن عليها أن تستيقظ وتهرول فلم تعد تملك رفاهة التمطع.. لم يعد لديها وقت». ربما تبدو المهمة عسيرة، لكن يبقى صحيحاً أنها ليست مستحيلة، وبدايات النهضة فى مصر الحديثة مع «محمد على» لم تتطلب وقتاً كبيراً بقدر ما تطلبت وهو مهم إرادة سياسية طموحة وجادة، وبرنامج حقيقى وواضح، واستنهاض الهمم، والوعى الإيجابى بما هو متاح من إمكانات، والبعد عن الجدل «السوفسطائى» السخيف الذى لا يثمن ولا يغنى من جوع. كانت مصر حين تولى «محمد على» مسئولية الحكم فى أسوأ مراحلها التاريخية وأشدها جهلاً وانحداراً وتدهوراً وضعفاً، ولم تكن مؤهلة لشىء، لكنها خلال سنوات قليلة تحولت بفضل إرادته السياسية ومشروعه الواضح إلى بلد قوى ومنافس للإمبراطوريات الحاكمة.. وحين تولى «جمال عبدالناصر» الحكم كان قد ورث وضعاً سياسياً شائناً وفساداً غير محتمل، وبلداً محتلاً، ومهزوماً و«ميتاً إكلينيكياً» لكن ذلك لم يمنعه من إحراز قفزات سريعة فى طريق التنمية. الناس التى تعبت من تجارب الحكم السابقة (الليبرالية الملكية، الاشتراكية، السوق المفتوحة، والسمك لبن تمر هندى فى سنواتها الأخيرة) تتطلع بشغف مشوب بالحذر والخوف إلى تجربة «الإسلاميين» فى الحكم، وهو تطلع بقدر ما فيه من قوة إيجابية يمثل تحدياً شديداً فى مواجهة المشروع الإسلامى الوليد.. لا وقت للأعذار، إما أن تنهض مصر من كبوتها بمشروع تنموى حقيقى وملموس، أو تموت الفرصة التاريخية لـ «الإسلام السياسى».. لا بديل عن النجاح، ومصر منظورة، والعين عليها، وسقوط «الإسلاميين» فى مصر وفشلهم يعنى نهاية اختبار التجربة فى المنطقة كلها. والجدل الدائر الآن حول صلاحيات الرئيس لا يبشر بخير، فتقديرى أن الرئيس فى مصر وفى ظل الإعلان الدستورى المكمل مع ما فيه من عوار وإجحاف هو رئيس «فائض الصلاحيات»، ولديه فرصة مواتية لإحداث التغيير المنشود، والبلد حبلى بالأمل، والهمم الدينية والروح الثورية المشتعلة فى الشارع، وحوافز الاختبار الذى يجرى حول قدرة «المشروع الإسلامى» على إنجاز «النهضة» وقود جاهز لدعم الطموح السياسى للرئيس الجديد. لم يحصل الدكتور «مرسى» على تأييد الشارع ليلقى به فى «حرب» مسلحة، والحديث عن حق الرئيس فى إعلان الحرب مجرد «سفسطة» مثقفين ونخبة غائبة، لا تتطلع مصر إلى حرب، ثم إن نزع حق الرئيس فى إعلان الحرب لا ينقص من سلطاته ولا أعرف رئيساً فى أى بلد فى العالم يقدر على إعلان الحرب دون مراجعة قواته المسلحة، ومراجعة مدى جاهزيتها واستعدادها لتلك الحرب.. وإلا كيف سيدخل الحرب؟ وللذكرى، فالذكرى تنفع المؤمنين، أجهضت مشروعات التنمية الكبيرة التى بدأها محمد على فى حرب استدرج إليها مع الفرنسيين والإنجليز، وذبحت تجربة عبدالناصر فى «النكسة» التى فرضت عليه فرضاً أن يتنحى عن الحكم وهو إعلان حقيقى عن نهاية التجربة ووقف المشروع. وللتاريخ، لم يتخذ جمال عبدالناصر قرار الحرب منفرداً، وراجع فيه قواته المسلحة، وراجع جاهزية رجاله واستعدادهم وتعرض لخديعة «تمام يا أفندم» التى ما زالت إحدى القيم السلبية فى بلادنا.[Quote_1] المهمة الثقيلة تفرض أن نتكاتف خلف «رئيسنا المنتخب».. والطموح والتطلع إلى إحداث التنمية يفرض على الدكتور «مرسى» بعقليته العملية ودماثته واستعداده للبذل أن يلتفت للممكن والمتاح معه من سلطات وأن «يتحقق». وبصدق كان خطابه الأبوى الدافئ الرقيق مبشراً بخير، ومصالحة.. وكان استنهاضه فى إطلالته على الناس لـ «روح العدل» فى الخليفة الرائع المعتدل «أبوبكر الصديق» رضى الله عنه وأرضاه بشرى خير.. يقينى أننا فى طريقنا إلى «روح مصر» الحقيقية القادرة القوية ووجهها المتدين المحافظ العادل.. والله الموفق.