كلنا «3 يوليو».. وكلهم «رابعة»

إمام أحمد

إمام أحمد

كاتب صحفي

«خير الأمور الوسط».. هذه قاعدة جيدة تصلح لاختيارات كثيرة فى حياتنا، لكنها لا تصلح إذا كان الاختيار بين الدولة أو الجماعة. فى لحظات كثيرة يكون الوقوف فى المنتصف من الحكمة، لكن فى لحظات أخرى يصبح ذلك الفعل من الكبائر.. لحظة «3 يوليو» تنتمى إلى القسم الثانى، لحظة لم تكن تحتمل وسطاً، إما دولة أو جماعة، إما شعب أو تنظيم، إما مؤسسات أمنية أو ميليشيات شوارع.

كان اختيار المصريين قاطعاً، الجميع اصطف فى معسكر «3 يوليو»، وكان اختيار الإخوان قاطعاً أيضاً، لكن فى معسكر آخر مضاد، معسكر «رابعة» الذى ضم الأهل والعشيرة والذين معهم. هذه لحظة كاشفة لعلاقة عمرها نحو مائة عام من السرية والتقية والتخفى والكذب، علاقة مخادعة تتفاوض مرة وتهدد أخرى، تلجأ لصناديق الانتخابات حيناً وصناديق البارود والرصاص أحياناً أخرى، علاقة عاشت بضع سنين تحت نور الشمس وعقوداً طويلة مختبئة فى ظلمات تحت الأرض.

وفق أى قراءة سياسية، وبغض النظر عن أى تفاصيل مختلف حولها، لا يمكن النظر إلى «3 يوليو» إلا باعتباره يوماً للمكاشفة الحقيقية، مشهد نهاية أخير فى رواية ركيكة طالت مشاهدها وفصولها، معركة حتمية تأجلت كثيراً حتى حانت ساعتها.. ولا مفر إذاً.

هل كان من فرصة لتوافق جديد؟.. هل كان من سبيل يضمن سلامة الجميع؟.. ما زال البعض يطرح هذه الأسئلة ناسياً أو متناسياً أن الإخوان هم من بدأوا الحرب، وحددوا ساعتها، وأطلقوا رصاصتها الأولى، وأراقوا أول نقطة دماء، حدث ذلك منذ أن قفزوا على الحكم وأرادوا الانتقال من مربع «التمكين النسبى»، حيث هم فى مقدمة آخرين، إلى مربع «التمكين الكلى»، حيث هم وأنفسهم فقط. هذا هو فقه الجماعة، وهذا هو طريق الجماعة، وهذه هى أدبيات الجماعة التى تعلموها وحفظوها وأقسموا عليها. ثم إنه مع فرض وقوع معجزة إلهية من السماء استطاعت جمع الشمل على حل سلمى بين مصر التى ضد الجماعة، والجماعة التى ضد مصر، فلم يكن ذلك أكثر من كونه إرجاءً لمواجهة سوف تقع لا محالة، وإيقافاً لعقارب ساعة سوف تعاود حركتها لا محالة، لكن فى ظروف أخرى، قد تخدم الجماعة وتضر بالوطن.

مجدداً، لم يكن ثمة اختيار وسط فى مساء 3 يوليو.. فالحرب وقعت، وفى ساعات الحرب إما أن تكون مع أو تكون ضد. ولم يكن ثمة مؤامرة تدار من داخل غرف مغلقة فى مساء 3 يوليو.. فكل شىء كان معلناً قبل هذا المساء بأكثر من ستين يوماً، بل مكتوباً وموقعاً!

باختصار.. حاول التنظيم لى ذراع مصر، فلم ينجح، فحاول كسره، فلم ينجح أيضاً. وانتهت المعركة بانتصار إرادة «3 يوليو» والتخلص من حكم الجماعة خلاصاً بائناً لا مواربة فيه، ولا رجعة عنه. ونحن اليوم وغداً وبعد غد فى دولة 3 يوليو -الدولة المصرية العتيدة- قد نختلف أو نتفق، نرفض أو نؤيد، ننتقد أو ندعم، نغير أو نجدد الثقة، لكننا أبداً لن نسلمها مرة أخرى إلى مكتب إرشاد جديد.