افتتحت نتائج جولة الإعادة لانتخابات الرئاسة فى مصر بفوز مرشح حزب الحرية والعدالة الدكتور محمد مرسى رئيساً لجمهورية مصر العربية، حقبة جديدة من تاريخ مصر والعالم العربى، تتميز باختيار الرئيس فى انتخابات حرة ونزيهة وبصعود الإسلام السياسى فى صورته الإخوانية إلى قمة السلطة.
ولا شك أن هذه الحقبة الجديدة فى تاريخ مصر والعالم العربى تمثل اختباراً جدياً وحقيقياً للإسلام السياسى وقدرته على بلورة نموذج للحكم يحفظ لمصر وحدتها الوطنية ونسيجها الوطنى الذى تشكل عبر العصور ويعيد هيبة الدولة المصرية ويدعم طابعها المدنى ويبدد مخاوف قطاعات كبيرة من المصريين بالذات من الطبقات الوسطى والمدنية والأقباط وغيرهم من الفئات التى شاركت بقوة فى ثورة 25 يناير عام 2011 التى وضعت مصر على عتبة الديمقراطية.
الفارق لا شك كبير بين البقاء فى المعارضة لعدة عقود وبين الوصول للحكم والسلطة حتى لو كانت القيود كثيرة، ففى المعارضة لا يتحمل المعارضون مسئولية اتخاذ وصنع القرارات ويحظون بهامش كبير للنقد والانتقاد، كما أنهم لا يخضعون بالضرورة للضغوط المجتمعية الداخلية أو تلك الوافدة من الخارج، أما فى الحكم والسلطة، فأنت فى موقع المسئولية الأول وعليك اتخاذ القرارات ومعالجة تداعياتها وتتحمل بالضرورة نجاح هذه القرارات وسلامتها وإخفاقها وفشلها.
هذا هو الاختبار الأول الذى يواجه الرئيس الجديد وعلينا أن نرى الكيفية التى يتحول بها الخطاب المثالى النظرى فى المعارضة إلى خطاب مسئول وواقعى يتعامل مع معطيات حقيقية وليست افتراضية، معطيات متغيرة ومتناقضة بحكم ارتباطها بواقع معقد ويحمل فى جنباته تناقضات كثيرة.
أما الاختبار الثانى والأهم فهو قدرة الحاكم الجديد والمعسكر الذى ينتمى إليه على بلورة نموذج للحكم يجمع بين الاستمرارية والتغيير ويتأسس على اجتهادات سياسية ودينية تكفل الانفتاح على العصر وتؤمن اللحاق بركب الحضارة الحديثة والعلم والتكنولوجيا وتفتح الطريق للمصالحة بين الفكر الدينى والفكر العلمانى، تلك المصالحة الضرورية لرأب الصدع والشقاق وتركيز الجهود لتجاوز التخلف والفقر والتهميش والتبعية.
ميز إخوان سوريا بزعامة مصطفى السباعى ومنذ وقت طويل بين الجانب الإجرائى للمفاهيم العلمانية وبين الجانب العقائدى والفلسفى لتلك المفاهيم، وبناء على هذا التمييز لم يجدوا غضاضة فى استيعاب العديد من المفاهيم العلمانية ضمن المنظومة الفكرية الإسلامية التى يتبنونها وذلك تأسيساً على أن المرتكزات العقيدية والفلسفية لتلك المفاهيم قد تشكلت فى بيئة مختلفة فى تشكلها التاريخى عن البيئة العربية الإسلامية، بيد أن ذلك لا يحول دون الاستعانة بالطابع الإجرائى لهذه المفاهيم لما فيه مصلحة المجتمع.
إذا ما صدقت نوايا الإسلاميين -وأعتقد أنها كذلك- فإنه بمقدورهم على ضوء الممارسة والتجربة والتقييم واستخلاص دروس فترة ما بعد ثورة 25 يناير أن يقدموا للمجتمع المصرى والعربى نموذجاً فكرياً وسياسياً يعالج المشكلات والإشكاليات التى تعترض طريق التطور الديمقراطى والاجتماعى والسياسى للعالم العربى وأن يكونوا عند حسن ظن الناخبين الذين منحوهم أصواتهم وأولئك الذين لم يفعلوا ذلك.