د. محمود خليل د. محمود خليل منسوب الأخلاق «البدرشينى»
الأحد 16-07-2017 | PM 10:02

كثيرون لاموا بعض المواطنين العاديين الذين وقفوا يتفرجون على قيام مجموعة من الإرهابيين أثناء اعتدائهم على 5 من رجال الشرطة داخل سيارة «بوكس»، تم إيقافها وإطلاق النار على مَن فيها، فسقطوا شهداء بمنطقة «البدرشين». فيديو العملية انتشر بصورة كبيرة، وأثبت بالفعل وجود آحاد من المواطنين يسيرون هنا وهناك، بالإضافة إلى عدد من السيارات والتكاتك التى كانت تقطع الشارع ذهاباً وإياباً. قال البعض تعليقاً على المشهد «أخلاق المصريين تغيرت»، مشيرين إلى اختفاء قيم النجدة والشهامة وخلافه، واعتذر البعض فى المقابل بأن العملية تم تنفيذها فى فترة مبكرة من صباح الجمعة، ولم يكن الناس من الكثرة، بحيث يستطيعون مواجهة الإرهابيين. العجيب فى الأمر أن بعض المواقع نقلت عن مصادر أمنية، وكذلك شهود عيان أن الإرهابيين حاولوا إشعال النار فى جثث الشهداء، لكن وحدة أمنية مارة منعتهم من ذلك بالتعاون مع الأهالى!

فى كل الأحوال لا تستطيع أية حكومة أو آلة أمنية أن تقضى على الإرهاب الذى يظهر داخل أى مجتمع، إلا بدعم شعبى، تحرك الناس يقتضى أن تكون قضية القضاء على الإرهاب أولوية بالنسبة لهم، فيدعمون الجهود التى تسعى إلى القضاء عليه. وتقديرى أن مكمن الخطورة فى المشهد يتحدد فى هذه النقطة على وجه التحديد. الإرهاب يشكل -بالفعل- خطراً حقيقياً على هذا الشعب، ورغم ذلك لا نرى المواطن يقدر الأمر حق قدره، والدليل على ذلك أنه لم يتحرك وهو يرى واقعة إرهابية رأْى العين، ما يعنى أن «القضاء على الإرهاب» لا يحظى بما يجب أن يحظى به من اهتمام لديه. قد يكون السبب فى ذلك الطاحونة الاقتصادية التى يدور فيها المواطن، مما جعل قضية «توفير لقمة العيش له ولمن يعول» على رأس أجندة أولوياته. عموماً ليس ذلك عذراً، لأن فهم الأمور بعمق سيفضى بنا إلى حقيقة أن الإرهاب أحد العوامل التى تؤدى إلى تعطيل ماكينة الاقتصاد المصرى.

ربما كانت الأخلاقيات -كما يزعم البعض- هى السبب، لكن من المهم الالتفات إلى أن منسوب الأخلاق ثابت فى كل زمان ومكان، المسألة فى النهاية ترتبط بالسياق الذى يؤدى إلى تحفيز الأخلاق، وإظهارها وإبرازها عندما تستدعى الحاجة ذلك. عدم استدعاء أخلاقيات النجدة والشهامة فى هذا الموقف أمر خطير، لأنه يجد تفسيره فى نظرة المواطنين الذين حضروا المشهد إلى الحادثة، فقد أدَّوا فيها كما يؤدون مع مشاهد الخناقات التى تقع فى الشارع، ويتعامل فيها المتعاركون بالأسلحة، فتجد أغلب المتابعين لها يكتفون بالفرجة من بعيد لبعيد، وينأون بأنفسهم عن التدخل، خوفاً من أن يطالهم رزاز المعركة، أو أن تأتى الشرطة، فتأخذ العاطل مع الباطل، كما هو راسخ فى الذهنية العامة للمصريين.

لكل سبب مسبّب، والمادة لا تفنى ولا تُستحدث من عدم، وسلوك المواطن جزء من ثقافته، كما أنه جزء من وعيه بالواقع المحيط به والتفاعلات التى يشهدها. ما يجب أن نحذر منه هو تلك الانتشارية لمشاهد العنف والإرهاب داخل المجتمع، وهى انتشارية لها تأثيرها على المدى البعيد. شىء مرير أن تصبح صور القتل جزءاً من الذاكرة البصرية المؤقتة والطويلة للمواطن المصرى.

تعليقات الفيس بوك

عاجل