أبي الحجاجي.. سيرة تستحقُّ أن تُروى

من الصعب أن أوجز في هذه المساحة البسيطة تفاصيل علاقتي بالرجل الذي له فضلٌ رُوحي على من عرفوه جميعًا، وعليَّ خاصة، ولكنْ حسبي أني من فيض محيط الذكريات أروي لا من عين النضوب، وأن العلاقة بيني وبينه لا توفِّيها وُريقات، ولكن الظرف معلوم، والرغبة في الكتابة موجودة، وإني لآمل أن يمدني الله بمعين من مداد لا ينضب لأكتب يومًا سيرته وعلى هامشها سيرة علاقتي به.

بدأت علاقتي بالحجاجي تتوثق عندما كنتُ طالبًا بالفرقة الرابعة، وكان اللقاء عابرًا؛ فقد كان يمشي مع أحد الأساتذة الكبار ثم رآني مع صديقة بارعة الجمال نتحدث، فاقترب مني وقال: "عاوزك يا حامد"، استأذنتُ من الصديقة وذهبتُ إليه فقال لي: "مِشْ تركِّز وتِرْجَع الأول بَقى وبعدين أما تبقى معيد تِتْجَوِّز القمر اللي كانت معاك؟".

لم أَدْرِ بِمَ أجيب عن ذلك السؤال، فقال لي بابتسامة حانية: "يا ولدي... انشغِل بالعلم هو أصلح لك، وستجد أن العلم يعطيك أضعاف ما تريد... وكُنْ تقيًّا... ولا تَخُنِ الأمانة". كأنما أضاءت الكلمات دروبًا مُظلمة في فضاء روحي، وبدأتُ في محاولة تطبيق النصيحة الجليلة التي أعلم أنه يعمل بها قبل أن يأمر غيره بذلك.

إلى أن كان يوم اصطحبتُ فيه الصديقة الجميلة إلى محاضرته بعدما أسمعتها من الكلام عن بهاء محاضرته ما شوَّقها لحضورها، وكانت المحاضرة عن شعر صلاح عبدالصبور، وأَفَضْتُ في الحديث عندما سألنا: من منكم قرأ ويقدر على محاضرة زملائه؟، فأمسك "الميكروفون" بعدما أنهيتُ حديثي وقال ما لم أتوقعه مطلقًا -وأنا خِرِّيجُه-: "سمعتُ نقدًا محترمًا من طالب متميز... وأنا أكيد من أنه سيكون لك شأن عظيم ناقدًا وعالمًا جليلاً شريطة أن تعمل بما تعلم، وإني لأرى فيك بريقًا من المرحومَين الجليلين النعمان القاضي ويوسف خليف". أعطاني كلامُه دفعة هائلة ذهبت بي إلى عالم الحبور والسرور، ولكن كلامه لم يجعلني أصل إلى درجة الغرور، فقد كانت كلماته عني أمام الصديقة خير ما يمكن أن تسمعه عني، ومن أفضل تزكية من الحجاجي إذا زكى أحدًا، ولكنها حمَّلتني عبئًا كبيرًا ظللتُ أسأل نفسي حياله: هل أستحق ما قاله في حقي وهل أقدر عليه حقًّا؟

مرَّت الأيام وكل محاضرة له يوم عيد، ففيه ترفع الملائكة من عملي الصالح ما لا يُتَخَيَّل، فقد كانت المحاضرة أنموذجًا لحلقة العلم التي تحفها الملائكة من كل جانب؛ الشيخ الجليل ذو العلم الوفير يخاطب عقول طلابه وقلوبهم فيسقي العقول دواء العلم الشافي من أسقام الجهل، ويسقي القلوب ترياق الاطمئنان الممزوج بالهدوء والسكينة على مهل.

إلى أن ظهرت النتيجة ووجدتُ أني ثاني دفعتي، وأخبرته فكان فرحه بما أنبأته عظيمًا، وظلت الأنباء عن تعييني معيدًا محجوبة عني كأسرار الجيوش غير المختَرَقة، وفوجئتُ بأنني لم أُطْلَبْ للتعيين، وفي لحظة انهارت قصور من الأحلام بُنيت بالهواء فوق أساس من الخواء، وبدأ بعض من كانوا يعاملونني معاملة آدمية فحسب من أجل تعييني معيدًا ينقلبون عليَّ أشدَّ الانقلاب؛ حتى لقد قال أحدهم غير مُبالٍ: "وإيه المشكلة يعني؟ اشتغل أي حاجة... مندوب مبيعات ولاَّ خُوجَة ولاَّ غِيرُه... من الآخِر خلاص مَالَكْش مكان في الجامعة".

تمالكتُ نفسي بصعوبة ومشيتُ أتخبط في طريقي، أتساءل ولا أجد ردًّا: من الذي أطفأ فجأة مصباح السعادة في حياتي؟ من الذي يتفهم في تلك اللحظة مدى الضياع الذي أشعر به عقب خروجي من الجامعة مهزومًا كحبيب خانته روحه ولا يقدر على فراقها أو نسيان حبها؟ أهذا جزاء المُحِب؟ هل يعرف صاحب هذه الكلمات القاتلة مدى الجُرح في قلبي إذ لم أجد من ينتشلني من مستنقع عذابات الروح وآلامها؟ هل يفهم ذلك المتشدق بالكلمات المطمئن إلى مكانه معنى ضياع أمل أسرة كبيرة وضعته على عاتقي وحدي؟

وجدتُ نفسي أتصل بالحجاجي لأطلعه على ما حدث معي وما أتجرعه من الألم الممزوج بقطرات اليأس والمرارة، وما إن سمع بدايات حديثي حتى قال لي: "تِيجي البيت فورًا ونتكلَّم عندي". إلهي، أهو طوق النجاة أُلقي إليَّ أم هي سحائب الرحمة تتنزل على قلبي فتطفئ ألسنة لهب الغضب والهوان بعد حديثه معي في منزله؟ كلماته في هذا اليوم علَّمَتْني الكثير، ولكن أهم ما تعلمته هو ألاَّ أغفل عن أن الله يفعل ذلك ليبلوني أأشكر وأصبر فأنال جزاء الصابرين أم أنقم وأكفر فأكون في أتون العذاب مُخَلَّدًا من الكافرين. ولقد نصحني في ذلك اليوم باستكمال الدراسات العليا بالكلية وأن أكمل العام الدراسي بعدما أخبرته بعزمي عدم دخول الجامعة مرة أخرى، وكان نُصْحُه جَمَّ الفائدة، وتعلَّمتُ منه في ذلك العام ما لا يتيسر لغيري إلا في أعوام، وحدث أن كُسِرَت ساقه في العام نفسه فطلب مني أن ننقل مكان المحاضرة إلى منزله؛ فهو لا يُحب أن يَفُوتَ تلميذَه شيءٌ من العلم، وما ذلك -يقينًا- إلاَّ ليُشعرني بأن منزلتي لا تقل أبدًا عن منزلة محمد وشمس ونور ويحيى؛ فقد كان يذهب أحيانًا بساقه المكسورة مُتَحَمِّلاً آلامه مُتَحَامِلاً على نفسه إلى الكلية لغير محاضرة طالب الدراسات العليا الوحيد -أنا-، ولقد ذهب ما كان بساقه من أذى وظلَّت المحاضرة في منزله ليرسِّخ ذلك يقيني، وفي أعقاب محاضرته الممتعة التي لم نَعُدْ نتقيد فيها بوقت محدد –وأذكر مرة أن محاضرتنا استمرت خمس ساعات ما أحسست فيها بمرور الوقت- كان يفتح لي أبواب خزائن مكتبته أتخير منها ما أشاء لأقرأه، وما يجد أنني قد أتممتُ فهمه كان يخبرني بأنه هدية لي.

وأحب هنا أن أَشْكُوَ الحجاجي إلى الحجاجي ليقضي؛ أهناك طالب يدرس في ستة شهور في مادة واحدة ما يزيد عن أربعين كتابًا؟ وجه دعواي أن يحكم الحجاجي على هذه القسوة العلمية بما يمليه عليه ضميره. ولكن أرجوه قبل الحكم أن ينتظر لحظة، كلاَّ، بل أنا أشكو نفسي إليه؛ كيف لم أفهم أنه يَبْنِيني بنيانًا راسخًا لا يقدر أحد من بعد أن أكْمَلَه على هدمه؟ كيف لم أعْقِل أنه ما فعل هذا إلا لأنه يعلم أن في تلميذه جَلَدًا وقدرة على تحمُّل العلم بنظرته الثاقبة في جوهر الناس ومعدنهم؟

فليَقْضِ عليَّ الحجاجي بأن أُجْلَد بسياط تذكُّر نظراته الحانية وهو يُخبرني بأنني سأعلم عاقبة هذا الصنيع بعد ذلك، فهذا ما أستحقّه، وإن كنتُ أعلم أنه سيخبرني بنظراته الحانية نفسها بألاَّ أقسو على نفسي، وألاَّ أجلِدها بسوط التذكُّر ولا بسوط الندم.

استشعرتُ يومًا ضيق نفسي وعدم قدرتي على تجاوز ما أنا فيه، فهُرعتُ إلى الاتصال به، جاءني صوته الدافئ مرحِّبًا بمودة صادقة يدعوني للذهاب إلى منزله، ولما وصلتُ اسْتَشْعَرَ أن في نفسي أشياء، فطلب مني الحديث على الفور طالبًا من ابنه الأصغر يحيى أن يطلب من "ماما" إعداد كوبين من عصير الليمون الذي كان مجهَّزًا بالفعل لصنعه فور وصولي، بدأتُ أحكي له عن إحساسي بالضياع والفاقة، وأني أضأل مما كنتُ أحسب نفسي عليه، وأني قد ظلمتُ تلك الفاتنة الرقيقة -التي آمنَت بي بعد إيمانه هو بي وسماعها ما يُعضِّد إيمانها في محاضرته- بعدما قمتُ بخطبتها، فقال لي في نبرة سمعتها منه للمرة الأولى في تلك اللحظة -فقد استحال الصوت إلى صدًى من درب ذكريات قديمة-: "وهل تحسب أن أستاذك قد وُلِدَ غنيًّا لم يَعْرِف للفاقة طعمًا؟ أنت تأتي إلى الجامعة بوسيلة مواصلات، بينما أستاذك كان يمشي من الجامعة حتى المكتبة الموجودة في قلعة صلاح الدين الأيوبي من أجل أن يوفِّر ثمن تذكرة المواصلات؛ ليشتري بها عشاءً. وأنت الآن تُسِرُّ لأستاذك بما في نفسك، بينما وجد أستاذك نفسه يومًا أمام عميد الأدب العربي طه حسين وهو يزمجر بصوته مُتَّهِمًا جيل أستاذك بأنه جيل مدلَّل لا يتحمل أعباء العلم ولا يسعى إلى تحصيله بعدما سأل عن تفصيلات في أنساب قريش، وردَّ عليه أستاذك قائلاً: "يا دكتور طه، نحن فقراء، والواحد منا لا يجد قوت يومه إلا بمشقة -وقد لا يجده مع المشقة- ويصر مع ذلك على طلب العلم وتحصيله، وأنت تتهمنا بأننا مدلَّلون لأننا لا نعرف أنساب قريش كلها، كيف يستقيم طلب العلم بهذه الكيفية ونحن غير قادرين، وسيادتك تعلم ما للفقر من أثر على المرء؟"، لن أقول لك كما قال لي العميد العظيم طه حسين -بعدما صمتَ طويلاً-: "يا ولدي، قد علمتُ ما تقول، وفهمتُ ما تشير إليه، وخبرتُ وجرَّبتُ ما تُقاسون، وما أراني إلا قد أُنْسِيتُه، ولكني قَطّ ما نسيتُه"، ولكني أقول لك إن الفرج بإذن الله قريب جدًّا يا ولدي، أَبْشِرْ، عميد كلية الآداب بإحدى الجامعات طلب مني أن أختار من يصلح ليكون معيدًا في قسم اللغة العربية هناك، وأستطيع أن أتقدم باسمك غدًا، ولكني أعلم علم اليقين –ولا تَسَلْنِي كيف- أن مكانَك في جامعتك -وإن تَوَهَّمْتَهُ ضائعًا- محفوظٌ".

ملأت الكلمات نفسي بضياء الأمل المشوب بحُمْرة شفق الفجر الذي أوشك على تبديد ظلمات غياهب اليأس، ولا أدري لماذا في تلك اللحظة أمسكتُ يده سريعًا وأحنيتُ رأسي إليها وقبَّلتها وقد استحال بداخلي وَلِيًّا صالحًا يرى حُجُب الغيب ويقدر إن أراد -بإذن ربه- أن يكشفها لمُرِيدِه، المهم أن يؤمن المُرِيد بالولي وأن يصدِّقه ويعلم أنه يريد له الخير، وعندها يكون ما أذن به الرحمن، وأنا أصدِّق الحجاجي وأؤمن به؛ فللحجاجي سر فيه أسرار، فسبحان من جعل من عباده ورثة أنبياء علمًا ورُوحًا، ولم أشأ أن أتحدث في شىء بعد هذا الكلام منه، وهل هناك من بعد كلام الحجاجي كلام؟ ومرَّت فترة حتى وصلني خطاب التكليف، ولم يصدِّق بعض من أعرفهم أن هناك إمكانية لتعييني في الجامعة، لكنني وحدي كنتُ أثق في هذا ثقة عمياء، فقد قالها الحجاجي، وثقتي بقَوْله تزداد رسوخًا يومًا بعد يوم.

وتمر الأيام، والحجاجي مكانه بداخل قلبي لا تُصيبه تقلبات الدهر، وأَذِن الله بأن تُكلل قصة حبي بالزواج ممن أحببتها وألمح الحجاجي -منذ زمن- إلى أن هذا سيكون مآل علاقتنا، فلم نجد من يكون أقرب منه إلى قلوبنا ليكون شاهدًا على عقد القران، ولَبَّى الحجاجي الدعوة شاكرًا مشكورًا، ولم يُثْنِه بُعد المكان عن أن يكون حاضرًا قبل وصول أول المدعوين إلى القاعة بساعة كاملة، ولما دخلتُ إلى قاعة عقد القران بحثتُ عنه قبل الجميع لأسلِّم عليه، وأحنيتُ رأسي إلى يده وقبَّلتها كما أفعل دائمًا واحتضنته وقد أحسستُ أن الناس تتساءل: من هذا الرجل الذي ما زال محتفظًا بوسامة الشباب وقد كساها ثوب الوقار؟ لِمَ يذهب العريس إليه ويقبِّل يَدَه ولا ينتظر حتى يأتيه الرجل في "الكوشة" مهنِّئًا؟ وأردتُ أن أصرخ بملء فمي في الناس: إنه الرجل الذي لن أوفيه حقه، إنه أبي الذي ما بَخِلَ عليَّ بعلم ولا مال، إنه الناصح الأمين الذي كان يُصلح بيني وبين خطيبتي التي ستصير بعد لحظات زوجتي، إنه الرجل الذي أعرف أن الأمان في الدنيا والأمل فيها بداخلي لأنني أستمتع بابتسامته وكلماته الحكيمة.. إنه الحجاجي.. السيرة التي تستحق أن تُروى.