«برج العرب».. المصانع فى «دوامة الروتين»: تأخر إصلاح الطرق وتطفيش المستثمرين بـ«إجراءات الخدمات»
«برج العرب».. المصانع فى «دوامة الروتين»: تأخر إصلاح الطرق وتطفيش المستثمرين بـ«إجراءات الخدمات»
- أحمد خليل
- أعمال حفر
- أفراد الأمن
- إصلاح الطرق
- ارتفاع أسعار
- استخراج التراخيص
- اسم مستعار
- الأزمات المالية
- التنمية الصناعية
- الجنيه المصرى
- أحمد خليل
- أعمال حفر
- أفراد الأمن
- إصلاح الطرق
- ارتفاع أسعار
- استخراج التراخيص
- اسم مستعار
- الأزمات المالية
- التنمية الصناعية
- الجنيه المصرى
هدوء يخيم على الشوارع وأبواب المصانع مغلقة على الجانبين، منها ما أُغلق بـ«قفل صدئ»، فى إشارة إلى أن أحداً لم يفتحه منذ زمن، وأبواب أخرى أغلقت على من فيها منذ أن دخلوها فى الثامنة صباحاً، إلى أن تفتح لهم على مصارعها فى الرابعة من عصراً، ليخرجوا إلى طرقات مهملة يسيرون على أرصفة غير ممهدة، كفروع أشجار ذابلة قُطّعت وألقيت على أطراف الطرقات، بينما كانت أعمال حفر خطوط الغاز منتشرة فى بعض المناطق وقد شقت «الأسفلت» نصفين.
{long_qoute_1}
صغار مستثمرين يواجهون شبح الإفلاس
بوابة ضخمة من الحديد، بالطرق عليها خرج «غفير» خمسينى، لم يغب طويلاً بعد أن أغلق الباب ثانية عند سؤاله عن أحد المسئولين، ليعود فاتحاً الباب على آخره ويسمح لنا بالدخول، بعد أن نحى «كلاب الحراسة» جانباً، استبدلها صاحب الشركة بأفراد الأمن توفيراً للنفقات، طرقة طويلة بعض الشىء كانت أرضيتها من الأسمنت، تأخذك فى نهايتها بعد أن تنعطف يميناً إلى ساحة واسعة وضعت فى منتصفها الماكينات الضخمة وقد انكب عدد قليل من «الصنايعية» على العمل بها، ومن داخل غرفة صغيرة خرج صاحب المصنع بوجه يتصبب عرقاً، وملامح اعترتها علامات الإجهاد، بعد أن خلع عنه قميصه ليقف بـ«فانلته» الداخلية، ومن خلفه شقيقه الأصغر، حيث فرغ لتوه من أعمال كان ينجزها بنفسه، ليحكى معاناته مع «5 سنين سود» يعيش فى كنفها حتى الآن، ويقول: «وصلت لمرحلة إنى بدأت أمد إيدى، وبعنا الشقق والعربيات بتاعتنا وكل حاجة عشان نصرف على الشغل، وبقيت بفكر أبيع المصنع عشان أخلص».. كانت تلك كلمات خرجت بنبرة حادة من الخمسينى أحمد خليل، (اسم مستعار)، أراد أن يخفى به اسمه الحقيقى حتى لا يدخل فى صدام مع المسئولين عن المدينة الصناعية، ليكمل سرد قصته التى بدأت فى عام 2007، عندما عاد ومعه أسرته من ليبيا، وبحوزته مبلغ لا بأس به شجعه على بداية استثمار صغير يستقر من خلاله فى بلده، إلا أن الرياح أتت بعكس ما تشتهيه سفنه، ليتبدل الحال بعد أعوام قليلة: «كنا تبع جهاز مدينة برج العرب، وبعدها بسنة بقينا تبع هيئة التنمية الصناعية، ومن هنا بدأ القلق، وكانت عبارة عن كارثة كبيرة نزلت على دماغنا، وبعد ما كنت شارى الأرض ودافع كامل حقها لقيتهم عايزين منى 50% من تمنها تانى عشان بس أنقل ملكية، وده لوحده عمل معايا اختلال كبير جداً فى الميزانية اللى كنت راصدها للمشروع».
«طلبات غريبة» على حد وصف «خليل» واجهها بعد ذلك، كان من بينها دفع ما قيمته 50 جنيهاً عن كل متر أرض بالمصنع تحت بند خطاب ضمان تنفيذ المشروع، وهو ما بلغ 100 ألف جنيه على حد قوله: «يا دوب أول 3 سنين شغل بسمى فيهم لقيت عليا 100 ألف جنيه ضرايب، فى وقت أنا مش معايا فيه فلوس أصلاً، لحد ما بقى عليا حجز ضرايب وتأمينات».
ضربات متتالية واجهها «خليل» جعلته يعزم على عدم تجديد رخصته المنتهية منذ عام 2011، ضارباً بكافة الإجراءات المتخذة فى هذا الصدد عرض الحائط: «ياكش تولع، واللى عايزين يعملوه يعملوه، أنا وصل بيا الحال إنى مش عارف أدفع مصاريف مدارس عيالى ولا عارف أأكلهم»، دراسة جدوى كان قد وضعها «خليل» قبل أن يبدأ مشروعه، وكان فى مخططها أن يعمل المصنع بطاقة ورديتى عمل، فى كل وردية ما بين 30 إلى 50 عاملاً، وهو ما لم يحققه بعد الأزمات المتعددة التى تعرض لها، ليصل عدد من يعملون معه إلى 16 عاملاً فقط، إلا أن هذا العدد، على صغره، لم يستمر طويلاً: «دلوقتى بقوا 2 بس، وشغال معاهم اتنين من ولادى واتنين من ولاد أخويا، وطبعاً أنا وأخويا بقينا شغالين بإيدينا».
طبيعة عمل مصنع «خليل» قائمة على خدمة المصانع الكبيرة، بما تقدمه لها من أجهزة معينة، وهو الأمر الذى زاد أعباءه بعد أن تعرضت هذه الشركات الكبيرة أيضاً إلى أزمات مالية خلال الفترات السابقة جعلتها تقلص من إنتاجها، ليقع هو الآخر فى أزمة أكبر من تلك التى وقعوا فيها، ليعبر قائلاً: «أنا فعلياً باشحت من 2013، وفوق كل ده لازم تفتح دماغك وتدفع عشان سكتك تمشى».. «أنا بقيت بقوم الصبح مابعرفش أدور على حاجة غير ازاى أعدى يومى، وده مش حالى أنا لوحدى، إحنا كان حوالينا 80 مصنع فى المربع بتاعى، اللى لسه شغال منهم دلوقتى نحو 5 بس»، ليختم صاحب المصنع حديثه بنبرة حزينة قائلاً: «أنا راجل بتوجع من اللى أنا فيه، ومش مستحمل أحارب واحد فى الكرسى بتاعه».
خدمات غير منتظمة وأعباء مالية مرتفعة:
على مستوى الخدمات المقدمة للشركات والمصانع الموجودة داخل المدينة الصناعية فى برج العرب، كانت بعض المشكلات أيضاً، تحدث عن جزء كبير منها «أسامة لمعى»، المدير الإدارى لشركة مارينا للسقالات والروافع، وكانت على رأس هذه المشكلات الرسوم التى تتكلفها الشركة من أجل إدخال خط غاز طبيعى تعمل به، فقد يصل ما تدفعه الشركة، حسب «أسامة»، إلى مليون جنيه، وهو رقم ضخم من وجهة نظره كان كافياً لأن يجعله يعتمد على السولار فى تشغيل مصنعه على الرغم من ضرره، ويقول: «الرقم طبعاً مابيتقلش بشكل مباشر، ومفيش جهة مديانى مطالبة بالمبلغ ده، ولما حسبنا التكلفة المبدئية للموضوع لقيناها هتتخطى المليون جنيه، فى حين إن السولار هيكلفنى نحو 15 ألف جنيه»، مؤتمرات متتابعة لجمعية مستثمرى برج العرب تم عرض هذه المشكلة بها، إلا أن الحل لم يأت بعد.
لم يكن الغاز وحده هو المشكلة وإنما كانت هناك أزمة أخرى خاصة بالكهرباء، إلا أنها اقتصرت على شركة مارينا والمربع الموجودة به فقط، حيث كانت مدخلات الكهرباء إلى المصنع تأتى أعلى من المطلوب، وهو ما شكل له أزمة كبيرة: «لما بترفع كده أنا بوقف شغل، لدرجة إنه جه يومين كاملين قفلت، ويوم تانى وديت فيه المهندسين المصنع اللى فى المنطقة الرابعة عشان ماعطلش أكتر من كده، ولما اشتكينا قالوا إن ده عشان فيه مصانع مش شغالة».
ولم تقتصر الأعباء المالية على ارتفاع أسعار وتكاليف الخدمات فحسب، وإنما وصلت كذلك إلى «كارتة» الطريق التى تدفعها سيارات نقل المنتجات من وإلى القاهرة: «دلوقتى عشان أنقل معدة من عندى أوديها المخازن بتاعتى فى القاهرة، بدفع ألف جنيه كارتة بالرغم إنها كانت 15 جنيه من نحو سنة»، فضلاً عن فروق الأسعار التى تزايدت بشكل كبير خلال الشهور الماضية، منذ تعويم الجنيه المصرى وحتى رفع أسعار المواد البترولية الأخيرة: «كل المدخلات زادت عليا أضعاف، وفى نفس الوقت السوق مش مستحمل أرفع أسعار على العميل».
وإلى جانب تلك الأزمات المالية كانت أزمة أخرى متعلقة بالتخلص من مخلفات المصانع، التى كان يتم نقلها قبل ذلك من خلال شركة متعاقدة مع جهاز مدينة برج العرب، إلا أن أسباباً ما جعلت هذه الشركة تتوقف عن العمل، وهو ما سبب أزمة للمصانع والشركات: «من ساعتها والزبالة بتتكوم عندى، ويوم ما أفكر أحطها على عربيتى وأروح أرميها آخد مخالفة من الجهاز»، شركة خاصة تعاقد معها «أسامة» من أجل رفع مخلفات مصنعه، إلا أنه فوجئ بعد عام أن حى برج العرب القديم يطالبه برسوم نظافة يجب دفعها وإلا تتوقف رخصة المصنع: «دفعناهم ولغينا مع الشركة على أساس إنهم هييجوا يشيلوا المخلفات بس ده محصلش وبقوا بياخدوا فلوس على الفاضى».
أزمة أخيرة عامة تطرق إليها «أسامة» فى حديثه، تعلقت باستخراج التراخيص للمصانع، حيث كانت قبل ذلك، حسب قوله، تستخرج فى خطوتين، الأولى عن طريق ترخيص مؤقت لمدة عام، تأتى بعده معاينة ويتم بعد ذلك منح المصنع رخصة دائمة، إلا أن الأمر لم يعد يتم وفق هذه الطريقة: «بقيت مطالب إنك تجدد الرخصة كل 5 سنين، ومبقاش فيه حاجة اسمها دايمة، ورغم إن مصنعنا ده شغال من التمانينات، إلا أننا برضه كل خمس سنين بقينا مطالبين نلف اللفة كأننا بنعمل مصنع من أول وجديد».
{long_qoute_2}
إصلاحات الطرق لم تنته منذ عامين
طريقان هما المدخلان المؤديان إلى المدينة الصناعية ببرج العرب، إلا أن هذه الطرق قد فتحت عمليات التطوير بهما منذ ما يقرب من العامين، حسب ما قال أيمن سعد، مدير الموارد البشرية فى شركة ريفر فودز للصناعات الغذائية، حيث شكل هذا الأمر معاناة لشركته وجميع شركات برج العرب: «بسبب ده حصل حوادث كتير جداً الفترة الأخيرة على الطريق ده وناس كتير ماتت»، خروج ودخول لأغلب شركات برج العرب فى مواعيد واحدة تقريباً، وهو ما يبرز الأزمة بشكل واضح، حسب «أيمن»، حيث يمرون جميعهم من حارة واحدة بسبب الإصلاحات القائمة.
منشور علم به «أيمن» من قبَل وزارة القوى العاملة، جمعوا من خلاله الشركات والمصانع لأخذ رأيهم فى مد قطار السكة الحديد من سيدى جابر إلى برج العرب، وهو المشروع القائم بالفعل، وفق «أيمن»، إلا أن تكلفة الفرد على الشركة فى حالة الموافقة على المشروع ستكون 11 جنيهاً لرحلة الذهاب فقط، وهو ما كان غير مناسب من وجهة نظره: «أنا إيه بقا اللى هيجبرنى إنى أوافق بده، خاصة إنى هبقى مربوط بميعاد واحد للقطر، ده غير إن القطر نفسه مابيشيلش أعداد كبيرة».
أعداد كبيرة من العاملين فى مصانع برج العرب يأتون من محافظات أخرى، حسب «أيمن»، وهو ما كان سبباً من وجهة نظره لأن يكون هناك اهتمام أكبر بشبكة الطرق المؤدية إلى المدينة، حتى يسهل على العمال الذهاب والعودة من وإلى بيوتهم، معبراً بقوله: «سياسة الترقيع اللى موجودة فى كل حتة دى هى اللى بتصعب المشكلة أكتر، ومابنشوفش طريق يتعدل إلا لو فيه زيارة جاية أو حاجة»، مضيفاً: «إحنا هنا فى برج العرب أسوأ منطقة صناعية على مستوى الجمهورية كلها من وجهة نظرى».
روتين المصالح الحكومية يعيق العمل
اختلفت شكوى «وائل محمد»، المدير الإدارى لمصنع فارو بلاست، التابع لشركة العامرية للمطاط والبلاستيك، عن غيره، وتلخصت كاملة فى بطء إجراءات تخليص الأوراق من الجهات الحكومية، ليعبر عن ذلك قائلاً: «على عكس ناس كتير إحنا مصنعنا شغال والإنتاج ماشى كويس، وفيه بيع وفيه كل حاجة، لأننا شغالين على الشغل المحلى والشعبى، لكن المشاكل كلها عندنا تتلخص فى المصالح الحكومية، يعنى أى مكان فيه تجمع مصانع زى هنا أو 6 أكتوبر والعاشر فى القاهرة، مفروض يكون ليها طريقة معينة تسهل من الإجراءات، ومايعاملنيش كمواطن عادى جاى يطلع رخصة بيت، وأبعت الطلب والطلب يروح لأستاذ فلان ومن عنده لأستاذ فلان التانى، وأفضل على الحال ده كام شهر لحد ما أخلص ورقة واحدة».
زيادة عدد أدوار فى أحد مبانى المصنع كلف «وائل» 7 أشهر، يتردد خلالها على المصالح الحكومية المختلفة، وخمسة أشهر أخرى قطعها داخل المصالح ذاتها من أجل استخراج تصريح مبنى جديد فى المصنع نفسه، إلا أن الإجراءات لم ينته منها بعد، وهو ما شكل له أزمة كبيرة: «أنا حتى ماحصلتش المواطن العادى، دول بيعملونا أصعب بكتير منه، وده بيشمل كل حاجة ومرتبط بالسلم من أوله لآخره، من أصغر ورقة لأكبر ورقة».

عمليات إصلاح الطرق المؤدية للمدينة لم تنته بعد
طرق داخلية غير ممهدة بالمناطق الصناعية