عندما كنت أدرس فى باريس خلال أوائل الثمانينات اضطررت ككثيرين غيرى من طلاب الدكتوراة للعمل بعض الوقت فى أماكن مختلفة، كان من بينها متحف «اللوفر» فى العاصمة الفرنسية، لم يكن العمل بطبيعته شاقاً أو مرهقاً، إذ كان يكفى أن تقف لبعض الوقت تمنع الزائرين من لمس اللوحات المعلقة أو تصويرها.
فى أحد أيام «الآحاد» وهى أيام العطلات الرسمية فى فرنسا فوجئت أثناء وقوفى فى مكانى أن الرئيس الراحل «فرانسوا ميتران» يقف أمامى يتأمل إحدى اللوحات وبجواره يقف وزير ثقافته آنذاك المعروف «جاك لونج» لم أصدق عينى إذ كان يفصل بينى وبين الرئيس خطوتان لا أكثر، وأردت أن أشرك زميلى الواقف على بعد خطوتين منى أيضاً دهشتى واندهاشى، لم يصدق زميلى الهندى عينيه كذلك وذهب بعيداً بخياله قائلاً لى وهو يتقمص مسوح الحكمة: «إنه ليس الرئيس بل شخص يشبهه تماماً».
على مقربة منا كان يقف أحد الأشخاص وعندما سمع الحوار بينى وبين زميلى الهندى، تدخل قائلاً: «إنه الرئيس فعلاً»، ولما كان يخشى ألا يصدق زميلى أيضاً، أبرز لنا ميدالية الحرس الجمهورى التى تثبت أنه ضمن حرس الرئيس فى هذه الزيارة، ذلك أنه لم يكن يرتدى زياً رسمياً يفصح عن شخصيته.
تمنيت وقتها أن تشهد بلادنا رؤساء لا يخافون من شعوبهم، يثقون فى شعوبهم التى وثقت فيهم ومنحتهم أصواتها، رؤساء لا تزعج تحركاتهم جمهرة المواطنين ولا تربك مصالحهم بل ولا تخيفهم مواكبهم والإجراءات الأمنية التى تصاحبها، إن أمن الرؤساء فى البلدان الديمقراطية حازم وناعم وحاسم فهو فى العديد من المناسبات يكاد يكون غير مرئى، وعيناه على الرئيس دون تزيد ودون تربص بالمواطنين وفق قواعد صارمة يستوعبها الأقل رتبة والأكثر رتبة.
الحمد لله أن منحنى العمر لأرى الرئيس الدكتور «محمد مرسى» يتحرك فى موكب بسيط لا يبث الرعب فى قلوب عامة المواطنين بل يبث الثقة بأن الرئيس مواطن كغيره من المواطنين اختاره هؤلاء ليدير شئون البلاد والعباد.
رأيت موكب الرئيس الجديد مره بالصدفة لدى خروجه من منزله فى موكب ينخرط فى الزحام فى هدوء دون إزعاج ودون تعطيل للمواطنين، لم يتم إخلاء الشوارع وأسطح العمارات ونوافذها كما كانت عليه الحال فى السابق وخلا الطريق من أولئك الجنود سواء من الشرطة والأمن المركزى أو جنود القوات المسلحة الذين كانوا يقفون فى عز الحر وفى أوج حرارة الشمس لساعات طويلة.
مفهوم أمن الرئيس فى البلدان الديمقراطية يختلف تمام الاختلاف عن أمن الرئيس فى النظم الاستبدادية، فأمن الأول يعتمد على احترام المواطنين والكفاءة والثقة فى الرئيس وفى الشعب؛ لأن الرئيس باختصار اختاره المواطنون بمحض إرادتهم، أما فى الثانية فالرئيس مفروض على المواطنين إما بالاستفتاء وإما بالتزوير وفى الحالتين فالرئيس يخاف من الشعب والشعب قد يخاف الرئيس، الآن اختلف الوضع فى مصر فلا الرئيس يخاف من شعبه ولا الشعب يخاف منه، فبدلا من الخوف المتبادل حلت الثقة المتبادلة.