عذرا طائرتي العزيزة

خلود خالد

خلود خالد

كاتب صحفي

"نرجو من السادة الركاب ربط الأحزمة، آملين أن تستمتعوا برحلة سعيدة..." بعد تلك الجملة أقلعت الطائرة المثقلة ليست فقط برُكابها وأمتعتهم، ولكن بأشياء أخرى أيضًا، أحلامي التي تسع الدنيا، وخوفي من الرحلة الأولى، وقدرٌ من المسؤولية، وشغف كبير، حفاظي عليه ليس لشيء، سوى أن أبقى حية.

هبطت الطائرة في مطار كوبنهاجن، وجدتُ عيني تائهة في كل مكان، تسترق النظرات، هُنا وهُناك، تكتشف ما حولها، ليس فقط انبهارًا بالمظهر، بل حتى ما اختبأ بين التفاصيل، من عناق الأحبة بعد فراق، وبكاء تلك الفتاة التي احتضنت كلبها بعد غياب، وهذا النظام العجيب بين المسافرين، ومعمارٌ كدت أحسبه رسومًا في عالم الخيال.. شعرتُ بشعور غريب كما لو أني منفصلة عن الدنيا من حولي، أو أنني في حلمٍ وجرس المنبه سيوقظني من هذا كله. منذ بدأنا الرحلة، ما مرت عليّ لحظة دون تعلم شيء جديد، لحظات وقفت فيها أمام نفسي اكتشفُ أسرارها المختبئة في زحام الحياة، أناسٌ جدد أضافوا لي من الخبرات الكثير، ليس فقط علميًا، بل الأثر الإنساني كان أعمق بكثير.

أما عن الجانب المهني فأكثر ما تعلمته هو كيف تدور النقاشات وضرورة توجيه السؤال إلى نقطته لتحظى بالإجابة المطلوبة، تلك الزيارات للتليفزيون الدنماركي واثنتين من أشهر الصحف هناك، وكيفية إدارة تلك المؤسسات، وعن الحرية و كيفية اتباعها حتى تملك إعلام حُر يراعي كافة الأطراف.

علمتُ أن المرأة لا يشكلها فقط تلك العوامل الجغرافية أو العادات المحدودة، لكنها هي المرأة في كل مكان تبحثُ عن الحب وتذيبُنا بنظراتها الدافئة لأولادها، وتجيد العمل بجد، قد يكون الفارق بأنها لا تبذل كل هذا الجهد لإثبات قوتها لأن قدرها معترف به بالفعل.

كما أيقنتُ بأن الله ليس الذي نبحث عنه في صلاتنا أو نذهب إليه في الأماكن المقدسة لكنه هو الذي يوجد بداخلنا ينبهنا ويطمئنّا، ويشعرنا بوجوده، ويوقظنا حين نسقط غفلة في الحياة، ويحتضن قلوبنا في لحظات ضعفنا.

علمتُ أن تلك المكانة التي يحظى بها أي إنسان، نحن من نضعها له، فإذا تغيرت فجأة فاعلم أن الجوهر قد ثار وانتفض للظهور. ووثقتُ بأن العالم مهما كبُر، فحضن أمي هو العالم الأوسع، ودونها تصبح الحياة ثقيلة مريرة.

حين هبطت الطائرة شعرت وكأنها تعاتبني قائلة: "أجهدتيني بما حملتهُ لكِ في الذهاب، وأثقلتيني بما زاد في العودة" فما زاد هو القليل من الصبر، والكثير من الخبرات، وقدر كبير من الدهشة، وشغف جديد، ورغبة في التغيير، وثورة على النفس، ونظرةٌ للحياة من تلك الزاوية التي لا ينظر منها الكثير، شوقٌ جميل لأحباء قلبٍ رغم أن البعد كان أيام، والإصرار الكبير على تكرار التجربة.

وأخيرًا وليس آخرًا، لا زلتُ أحب تلك العشوائية التي تغطي بلادنا، لأنها ممتزجة بمشاعر لا نعرف سرها، وإن اختلف البعض معي.

طائرتي العزيزة أعتذر لكِ، تحملي أثقالي في رحلاتي القادمة.