بين العرب وإسرائيل صراع ممتد فى الزمان والمكان، فمن حيث الزمان بدأ الصراع مع الصهيونية منذ أوائل القرن العشرين وبعد انعقاد مؤتمر بازل الأول، ولا يزال هذا الصراع ممتدا فى القرن الحادى والعشرين، أما من حيث المكان فيبدو ظاهرياً أن الصراع فى الإقليم الذى توجد فيه فلسطين، ولكنه فى حقيقة الأمر صراع ممتد حول العالم بسبب تحالفات إسرائيل الغربية، وضمان الغرب لأمنها وتفوقها على العرب مجتمعين، وكذلك بسبب امتدادات إسرائيل اليهودية والصهيونية عبر العالم.
الصراع مع إسرائيل لا ينتهى بإجراء مفاوضات تنتهى إلى تسويات، لا تلبى بحال الحد الأدنى من تطلعات الشعب الفلسطينى بسبب الإجماع الإسرائيلى حول حدود التسوية الممكنة، واختلال التوازن فى القوى بين إسرائيل والدول العربية على الصعيد العسكرى والعلمى والتقنى.
عقب كل تسوية تأتى على قاعدة الاختلال فى موازين القوى، تخرج إسرائيل أقوى مما كانت قبل بدء هذه التسوية، فالتسوية مع مصر أطلقت يد إسرائيل فى الأراضى المحتلة ولبنان وجنوبه، حيث تركزت عناصر القوة الإسرائيلية على الجبهات الأخرى، بعد أن أمنت الجبهة المصرية، وكذلك الأمر بالنسبة لتسوية أوسلو فقد خرجت منها إسرائيل بأقوى مما كانت، حيث زاد الاستيطان وتوسع وتحولت الأراضى الفلسطينية المحتلة إلى جزر منعزلة عبر شبكات الاستيطان والطرق الاتفاقية وإضعاف المقاومة الفلسطينية، وفضلاً عن ذلك فإن هذه التسويات تزود إسرائيل بسلاح دعائى مهم ألا وهو إظهار إسرائيل بمظهر الدولة المحبة للسلام والساعية إليه بينما العرب هم الرافضون للسلام ولا يعنى ذلك بالضرورة رفض التسويات بل يعنى الوعى بحدودها.
وإذا صح ذلك -وأعتقد أنه صحيح- فإن الأمر يقتضى التفكير فى استراتيجية جديدة لمواجهة إسرائيل، ويمكن تسمية هذه الاستراتيجية باستراتيجية «الصراع الطويل فى مواجهة إسرائيل» وتتأسس مثل هذه الاستراتيجية على الوعى بأن التسوية فى حدود التوازنات القائمة لا تنهى الصراع مع إسرائيل، بل تفتح الباب لمراحل أخرى فى الصراع.
من ناحية أخرى فإن مثل هذه الاستراتيجية ينبغى أن تأخذ فى الاعتبار أن توازن القوى هو محصلة تفاعل عوامل وعناصر متداخلة فى الداخل والخارج، بناء الاقتصاد والقوة الناعمة وتطوير البحث العلمى بحيث يكون العلم قوة إنتاجية كما هو الحال فى البلدان المتقدمة وإسرائيل من بينها، وبالإضافة إلى ذلك بناء ديمقراطية راسخة ومستقرة وإعادة هيكلة السياسات الخارجية وبناء علاقات إقليمية ودولية متوازنة وفعالة، ولا شك أن تضافر عناصر القوة الداخلية والخارجية هو الذى قد يغير من توازن القوى فى هذه المواجهة الحضارية الشاملة لا بد أن تعتبر هذه الاستراتيجية أن أى تقدم فى أى مجال من المجالات يصب فى صالح تعزيز الموقف العربى والفلسطينى على المدى الطويل، وأنه بقدر ما يسير العرب فى هذا السباق الحضارى والسياسى والعلمى ويحوزون فيه على استحقاقات مهمة، بقدر ما يقتربون من صورة الحل الشامل الذى يكفل الحقوق العربية والفلسطينية وحقوق الإنسان الأساسية، الحل الديمقراطى الذى يكفل حقوق كافة الجماعات بديلاً للحل العنصرى الذى تنتجه التسويات فى ظل الظروف الراهنة.