أزمة المرشد مع مكتب الإرشاد (١)

د. محمد حبيب

د. محمد حبيب

كاتب صحفي

(١) فى يوم الخميس ٢٤ سبتمبر ٢٠٠٩، توفى إلى رحمة الله تعالى الأستاذ محمد هلال، عضو مكتب الإرشاد.. كانت الوفاة فى مدينة المنصورة بالدقهلية، وكنت ما زلت فى أسيوط، لذا لم أستطع حضور الجنازة ولا حتى العزاء.. وفى أول اجتماع لمكتب الإرشاد، الذى لم أكن حاضراً فيه، طرح المرشد «عاكف» على الأعضاء موضوع عضوية الدكتور عصام العريان للمكتب.. فها هى الفرصة، التى انتظرها مدة عام ونصف، قد جاءته على طبق من فضة، ولن يكون فى هذه الحالة فى حاجة إلى التحايل على المكتب بإضافة اسم الدكتور مصطفى الغنيمى كما كان يفعل من قبل.. لقد ظن المرشد -وبعض الظن ليس إثماً- أن أعضاء المكتب سوف يلبون له رغبته هذه المرة، خاصة أن الولوج إلى عضوية المكتب من حق الدكتور «العريان».. إن المرشد كان يعلم عن يقين مدى كراهية الأعضاء للدكتور «العريان»، لكنه كان يعلم أيضاً أن رغبته كمرشد «أوامر»، وأن أعضاء المكتب سوف يسارعون، بل يتسابقون إلى نيل رضاه بتنفيذ هذه الرغبة.. ألم يقل إن مجلس الشورى العالمى سوف ينتخب الشخص الذى اختاره المرشد ليكون نائباً ثالثاً له لمجرد علم المجلس أن هذه هى رغبة المرشد، بغض النظر عن مخالفة اللوائح والنظم.. والقيم؟!

(٢) غير أن الأعضاء الحاضرين آنذاك خيبوا ظنه وعصفوا برغبته، بل ضربوا بها عرض الحائط.. تحنن الرجل إليهم ورجاهم وقال: «علشان خاطرى»، فلم يزدهم ذلك إلا مكابرة وإصراراً على الرفض.. فقبول الدكتور «العريان» كعضو مكتب إرشاد دونه خرط القتاد، والمسألة لديهم -على حد قول بعضهم- مسألة مبدأ لا يساومون عليه (!!) وكان أن خرج المرشد «عاكف» من الاجتماع غاضباً، وغادر إلى البيت على أمل ألا يعود.. لقد خذله أعضاء المكتب، وهم الذين ناصروه وأيدوه فى الاجتماع المهزلة أثناء نظر مشروع تعديل اللائحة منذ ثلاثة أشهر (!) فانظر عزىزى القارئ، رحمنى الله وإياك، وتأمل (!!) ذهب إليه الأعضاء فى محاولة لاسترضائه، ولكن دون التنازل بطبيعة الحال عن موقفهم الرافض، فتعامل معهم المرشد بقسوة وغلظة.

(٣) لا أدرى كيف تسرب الخبر إلى وسائل الإعلام بهذه السرعة.. وأغلب الظن أن أدوات التنصت الحديثة، التى أصبحت تنقل الهمس بين الأفراد، هى التى تولت مسئولية ذلك.. وهذا أمر طبيعى وبدهى، فإذا لم يكن هناك تنصت على قيادات جماعة الإخوان فى دار المركز العام، فعلى من تتنصت؟! وقد رأينا بعض وسائل الإعلام لم يفتها، وهى تعلق على الخبر، أن تذرف دموع التماسيح على المرشد «عاكف» الذى لم يستجب له أعضاء المكتب ولم ترق له قلوبهم بتصعيد الدكتور عصام العريان إلى عضوية المكتب!

(٤) اتصل بعض الأعضاء بالمهندس حلمى عبدالمجيد، أحد أعضاء الإخوان القدامى من ذوى المكانة والتاريخ داخل الجماعة، كى يقوم بالوساطة بين المرشد وأعضاء المكتب.. لكن الوساطة فشلت، حيث كان المهندس «عبدالمجيد» يرى أن على أعضاء المكتب محاولة استرضاء المرشد، وأن يكونوا أكثر مرونة فى تطبيق اللائحة.. غير أن الأعضاء وضعوه فى موقف حرج للغاية، قرر بعده ألا يتوسط فى الأمر، بل ويأخذ موقفاً ضد أعضاء المكتب، لدرجة أن الدكتور محمود عزت -كما روى لى- طلب الذهاب إليه، فنصحه بألا يفعل!

(٥) وفى مساء الأربعاء ٧ أكتوبر ٢٠٠٩، اتصلت بالأخ مسعود السبحى، سكرتير المرشد، هاتفياً وأخبرته أننى بخير وبصحة جيدة، وألا يقلقوا علىّ وسوف أنزل إلى القاهرة قريباً.. وقلت له أيضاً أن يبلغ المرشد بذلك.. استبشر «السبحى» بالخبر وسعد بالاتصال أيما سعادة، وقال: ما رأيك لو اتصلت به أنت لتبلغه بذلك؟ فقلت: لا.. أبلغه أنت.. والحقيقة أننى لم أكن على استعداد أن أتحدث إلى المرشد، لأننى كنت -وما زلت- أعتبره أساس المشكلة كلها، وهو السبب وراء ما أصاب المكتب والجماعة.. لقد نصحت له كثيراً وبذلت معه جهوداً مضنية لتصحيح الكثير من الأوضاع الخاطئة، لكنه للأسف لم يكن يستجيب لشىء.. اتصل بى الأخ «السبحى» وأبلغنى أنه أوصل الرسالة للمرشد، فقال له: أريده أن يتصل بى.. فقلت: فليتصل بى هو.. ولما كنت أعلم أن الأخ «السبحى» لن يقوى على ذلك، وأنه سيتصل بالدكتور محمود عزت ليقوم بالأمر بديلاً عنه، وقد صدق ما توقعت، فقد اتصل بى الدكتور «عزت» متصوراً أننى نزلت إلى القاهرة، فأخبرته أننى ما زلت فى أسيوط، قال: إن المرشد حريص على الحديث معك، وإنه يستعجل عودتك، وقد كلف الأخ «بديع» بالاتصال بك، وأعتقد أنه فى الطريق اليك الآن، ورجانى أن أتصل بالمرشد، فقلت: اتصل به أنت.. وقد حدث، إذ بعد ٣ دقائق اتصل بى المرشد، وقال بصوت مأزوم وواهن: محمد.. هل أنت آتٍ إلى القاهرة أم لا؟ قلت: آتٍ إن شاء الله قريباً.. قال: أنا أريد أن آخذ إجازة من اليوم، ولذا لا بد من حضورك.. ثم أردف قائلاً: أنا تعبان.. فقلت سأكون فى القاهرة بعد يوم أو يومين بإذن الله..

(٦) غنى عن البيان أن أهلى وأولادى كانوا يعيشون عذاباتى وقلقى طوال الأيام، بل السنوات الفائتة.. كانوا يستشعرون مدى الضغوط النفسية والعصبية التى عانيتها بسبب تصرفات المرشد «عاكف».. كان رأيهم ألا أسافر إلى القاهرة، وأن أدع الرجل يعالج مشكلاته بنفسه مع المكتب، وأنه آن الأوان أن يتحمل تبعة مواقفه.. كفى ما أحدثه من تشويه لصورة الجماعة.. قلت: ليس من طبيعتى أن أنتهز فرصة ضعف إنسان، ولا من شيمتى أن أدير ظهرى لمن يستغيث بى.. ثم إن دورى كنائب أول للمرشد يقتضى أن أحل محله أثناء غيابه.. قالوا: هل نسيت ما صنعه معك؟ قلت: لم أنس، لكن إدارة شئون الجماعة تستلزم أن نتجاوز ما حدث، وأن نرتفع فوق ذواتنا.. قالوا: إن ما حدث لم يكن خطأ فى حقك، بقدر ما كان خطأ فى حق الجماعة.. وما لم تكن هناك وقفة جادة سوف يبقى الحال على ما هو عليه (وهو ما حدث بعد ذلك).. وعموماً، أنت صاحب قرارك، ونحن لا نملك سوى النصح لك (وللحديث بقية إن شاء الله).