الاستثمار الأجنبى يهرب إلى إثيوبيا وكينيا بدعم إسرائيلى

الثلاثاء 14-11-2017 AM 09:54
تصوير: عدنان عماد
الاستثمار الأجنبى يهرب إلى إثيوبيا وكينيا بدعم إسرائيلى

«الوطن» داخل أحد مصانع إنتاج العلف

حركة لا تهدأ، أصوات الماكينات تخطت الأسوار، لا مكان لموطئ قدم، المصانع تتراص إلى جوار بعضها البعض، ومن خلفها تظهر رافعات الميناء ومراكبها الضخمة، هنا المنطقة الحرة بمدينة بورسعيد، واحدة من تسع مناطق على مستوى الجمهورية تهدف لجلب الاستثمار الخارجى وتشجيع الصادرات، وتساهم فى إدخال أكبر قدر من العملة الصعبة للبلاد.

تختلف المناطق الحرة الصناعية هنا كلياً عن المناطق الصناعية الأخرى، وحسب موقع وزارة الاستثمار على الإنترنت، فتلك المناطق التى توجه إنتاجها بالكامل للتصدير خارج البلاد تُعد فى نفس الوقت جزءاً أصيلاً من أراضى الدولة، وتخضع لسلطتها السياسية والإدارية. «الوطن» ترصد أوضاع المناطق الحرة فى مدن القناة التى تضج بالأزمات التى تعمل على تعثر الاستثمار بها، وتزيد من أوجاع الصنّاع، وتدفع بالكثير من الاستثمارات للهرب لبلدان أخرى توفر التسهيلات الجاذبة، وتبدأ تلك الجولة من محافظة الإسماعيلية، وحتى محافظة بورسعيد، من خلال الحديث مع أصحاب ومديرى عدد من تلك المصانع.

«المنصورى»: القانون الجديد للاستثمار ضاعف رسوم الصناعة.. و«نوفل»: مصر أصبحت دولة طاردة

داخل إحدى المناطق الحرة الخاصة بالمنطقة الصناعية بالإسماعيلية، يستقر أحد أكبر المصانع المصدرة للملابس فى مصر، وفى الطابق الثانى غير بعيد عن ضجيج ماكينات الحياكة، يجلس «محمد نوفل»، مدير المصنع، يقول إن المناطق الحرة فى مصر هدفها هو جذب الاستثمار الخارجى فى المقام الأول وتشجيع زيادة الصادرات للخارج لزيارة العملة الصعبة، والاقتصاد المصرى فى حاجة ملحة لمثل تلك الاستثمارات، لكن الأجواء العامة للاستثمار فى مصر أصبحت طاردة للمستثمرين فى المناطق الصناعية، فى الوقت الذى توفر فيه بلدان أفريقية أخرى كل سبل العمل والتسهيلات لتلك المصانع، حتى إن بعض المستثمرين الأجانب أغلقوا مصانعهم فى مصر وفتحوا مصانع بديلة فى إثيوبيا وكينيا.

يقع المصنع الذى يديره «نوفل» فى منافسة مع العالم بأسره بحكم توجيه إنتاجه للخارج، وعلى مستوى صناعة الملابس، التى تُعتبر من الصناعات الرخيصة التى لا تستقر فى دولة واحدة بل تنتقل من دولة لأخرى حسب انخفاض مستوى المعيشة، لأنها تعتمد على كثافة كبيرة من العمالة، وكانت صناعة الملابس تتكتل فى البداية فى أمريكا، ثم انتقلت إلى إيطاليا، ومنها لتركيا، ثم دخلت مصر، والآن تضيع من أيدى مصر وتتوجه نحو الهند وباكستان، والأسوأ إثيوبيا وكينيا بدعم من إسرائيل، وليس المستثمر الأجنبى فقط هو الذى ترك مصر وتوجه لدول أفريقيا، بل إن المستثمر المصرى نفسه توجه لفتح مصانع فى تلك البلدان، بسبب المميزات التى توفرها.

فى السابق، حسب «نوفل»، كانت مصر تتمتع بوفرة العمالة والطاقة والمياه، وهى مميزات تجذب أى مستثمر للمنطقة الحرة فى مصر، والآن لك أن تتخيل أن مصر فقدت كل تلك العمالة، والمتوافرة غير مدربة، ويومياً تزيد المرتبات بسبب زيادة الأسعار وفى المقابل الأسعار عالمياً تقل: «أنا أجيلك ليه؟ أنا أروح كينيا، بنجلاديش، السنغال». بخلاف رفع الدعم عن الطاقة، ما تسبب فى رفع مهول لأسعارها، كل تلك الأمور أضاعت من مصر فرصة دخول مزيد من العملة الصعبة.. «المميزات دلوقتى اللى كانت بتديها الدولة للمستثمر ولا حاجة» يقول: «نوفل»، بخلاف الدولار والزيادة المستمرة لسعر الصرف: «وإحنا عمالين نقاوم ومش عارفين لحد إمتى هنقدر نقاوم»، ويؤكد أخيراً أن مصر أصبحت دولة طاردة للاستثمار.

ليس فقط معوقات الاستثمار فى مصر هى وحدها التى تدفع بتلك الصناعة للهرب، لكن «نوفل» يقول إن هناك جانباً آخر خفياً وهو «لعبة السياسة الخارجية» التى تتحكم فى الأمر، فعلى سبيل المثال دولة مثل أمريكا «قفلت الحنفية علينا»، فبدون سبب يذكر منذ العام الماضى توقف استقبال أى ملابس من مصانع المناطق الحرة فى مصر، بل وتوجه مستوردون بقرارات سياسية لفتح مصانع فى تلك البلدان الأفريقية، وأوقفوا التعامل مع المصانع المصرية، إلى جانب الدعم المقدم من إسرائيل لتلك الدولة الأفريقية، ما يساعدهم فى خلق مناخ جيد لاستقبال الاستثمارات هناك، وسحب البساط من تحت مصر.

على كرسيه الوثير بمصنعه لإنتاج الملابس، جلس الشاب الثلاثينى الدكتور إسلام المنصورى، مدير مصنع المنصورى، ونجل صاحبه، يقول إن المصانع الموجودة فى جميع المناطق الحرة للاستثمار فى جميع محافظات مصر، لا تشملها مبادرات البنك المركزى، وعلى سبيل المثال مبادرة 5% لا يستطيع أى مصنع داخل المنطقة الحرة الاستفادة منها، حيث تُعتبر المصانع هنا كيانات خارج البلاد، وميزانياتنا الرسمية تكون بالدولار: «بس أنا ما زلت فى مصر وأنا مستثمر مصرى وأحتاج لدعم مصرى.. أنا بدخّل عملة صعبة فى مصر»، وحتى حين يتعثر المصنع لا تطبق عليه أى مبادرات من البنوك للجدولة والتقسيط أو غيره.

«المنصورى» يشير إلى أن القانون الجديد للاستثمار ضاعف الرسوم التى تدفعها مصانع المناطق الحرة «كسبان أو خسران احنا بندفع رسوم مش ضرايب»، اعترضنا على ذلك من خلال مجلس النواب ولم يبت أحد حتى الآن فى تلك الاعتراضات. ويشرح «المنصورى» أن المصانع فى المناطق الحرة تدفع 1% من القيمة المضافة كرسوم، أى ما أضيف واستُحدث من إضافات على المواد الخام للوصول للنسخة النهائية للمنتج: «أى الفرق بين سعر المواد الخام وسعر المنتج النهائى»، والقانون الجديد للاستثمار فرض رسوماً 1% على سعر البيع النهائى، أى أربع أضعاف ما كان يُدفع فى السابق، وهى إحدى أهم المشاكل التى تهدد جميع مصانع المنطقة الحرة.

لم تكن تلك المشكلة وحدها، ولكن رفع الدعم عن الوقود يؤرق صاحب مصنع «المنصورى»، حيث وصل سعر ما يدفعه المصنع للغاز الطبيعى على سبيل المثال 201 ألف جنيه شهرياً، فى الوقت الذى تدفع فيه الدولة بالغاز الطبيعى للتصدير للخارج بأسعار أقل من ذلك بكثير. ويشير «المنصورى» إلى أن الدولة تناقش دعم الصناعات الضخمة كصناعة الأسمنت والحديد وتستثنى مصانع الملابس والنسيج، فى الوقت الذى تعانى فيه مصانع الملابس الجاهزة التى تعتمد على كثافة فى العمالة: «أنا مصنع متوسط المساحة فيه 1300 عامل»، تخيل المصانع الكبرى، ومصانع الحديد 10 أضعاف مساحتنا ولا تصل لـ1000 عامل، فالمنطقة الحرة لبورسعيد 41 ألف عامل، وهو سلاح قوى وفعال ضد البطالة، وهى أولى بالدعم: «تخيل مصنع واحد ملابس بيقفل يقف قدامه 1000 عامل عن العمل».

يفتح «المنصورى» هاتفه، ليتذكر كافة المشاكل التى تعانى منها المناطق الحرة، قد سجلها فى محاولة منه للبحث عن حل، ويقول إن هناك صندوقاً لدعم الصادرات للمصانع التى تجلب عملة أجنبية، وهو صندوق عالمى، ومطبق فى كل دول العالم، ورغم ذلك تتأخر مستحقات المصانع من الصندوق، فنحن على مشارف 2018، وهناك مستحقات من 2016 لم تُصرف حتى الآن.

وعن وفرة العمال، ضحك «المنصورى» ووصفها بالكارثة، قائلاً إن العمالة تأتى فى الغالب من المحافظات البعيدة، وهى أزمة لأى مصنع، والسبب فى ذلك رفض أبناء بورسعيد وأهلها العمل فى المصانع، ويعتبرون أن العمل فى المصانع سبة أو إساءة للبورسعيدى، خاصة أعمال النقل والمناولة وأعمال التنظيم داخل المخازن: «يقول لك لا مش هشتغل شيال» وأعمال النظافة، رغم أن مرتبات المصانع فى المناطق الحرة ضعف ما يتقاضاه أى بائع فى محل بالخارج: «البورسعيدى مش أعلى شأناً من أبناء المحافظات الأخرى ولا هم أقل شأناً»، مشيراً إلى أن المصنع يوفر يومياً وسائل نقل ومواصلات لنقل العمال من القرى والمحافظات المجاورة لمحافظة بورسعيد.

يقول «المنصورى» إن أهل بورسعيد يعتبرون بعض الأعمال فى المصانع أعمالاً مهينة، رغم أن العمل شرف ولا يوجد عمل مهين، ويضرب المثال بنفسه: «أنا دكتور وبشتغل فى مصنع والدى، هل ده مهين بالنسبة ليا؟!»، وبالطبع التعميم غير صحيح، ولكن نسبة قليلة ما تتناقض مع تلك الرؤية من أهل بورسعيد. هذا إلى جانب الارتفاع المبالغ فيه لبدل الخدمات التى تقدمها هيئة الاستثمار، وهذا بسبب ارتفاع سعر الدولار: «يعنى أنا كنت بدفع 8 آلاف جنيه بقيت بدفع 56 ألف جنيه»، يقول «المنصورى»، مشيراً إلى أن «ضيق مساحة المنطقة الحرة يُعد عائقاً للتوسع لأى مصنع، وهناك محاولات لإضافة مناطق حرة 1 و2، فى المنطقة الجافة ولكن حتى الآن لم يتم العمل بها، هذا إلى جانب أن تلك المناطق بعيدة وتضيف عبئاً جديداً وهو تكلفة انتقال العاملين إلى هناك».

المدن الصناعية فى محافظات «القناة»

التعليقات

عاجل