أسامة خالد أسامة خالد على عبدالله صالح.. قصة حوار لم يتم
الأربعاء 06-12-2017 | PM 10:09

لا أعرف هل يجب أن أحزن على حوار لم يتم، أم أفرح لأننى نجوتُ من موت محقَّق.. بطبعى أميل للحزن على «سَبْق» فات، كان يجب أن أكون فى صنعاء فى هذا الوقت لإجراء حوار مع على عبدالله صالح، إلا أن اشتعال الأحداث فى الأيام الأخيرة أجَّل كل الترتيبات، وربما أنقذنى من موت محقَّق مع الرجل.

لا أهاب الموت ولا أكرهه، ليست عنترية منِّى إنما هى «خلقة ربنا»، «هو خلقنى كده»، واجهت ظروفاً صعبة فى ميادين كثيرة ونجوتُ من موت محقَّق أكثر من مرة، كان الله -وما زال- بجانبى، نجوتُ من قذيفة طائرة إسرائيلية أُطلقت على بُعد أمتار قليلة منِّى فى غزة وقت أن كنتُ أغطى حرب 2012، وفى ليبيا فلتُّ بأعجوبة من رصاص متطاير «زى الرّز» وسط بنغازى، عندما كنت أغطّى أحداث الثورة فى 2011، كما أنقذنى الله من خطر محقَّق فى الرقة قبل أيام من تحريرها، كانت المعارك عنيفة جداً وطلقات القناصة تتطاير فى كل مكان.

الحمد له نجوتُ كثيراً وكثيراً من الموت فى سيناء وحلب وفى عدن، وكذلك فى لحج بجنوب اليمن عندما دخلت بقدمى بالخطأ فى كمين لـ«القاعدة» ولولا ستر الله لكنتُ فى عالم آخر.

لم يستوعب «صالح» أن نائبه الذى أصبح الرئيس ضاق به ذرعاً ويحاول طرده خارج البلاد.. وبنى تحالفه مع «الحوثيين» على أنقاض 6 حروب خاضها ضدهم وقت أن كان يعتبرهم «الشر الأعظم»

تغضب أمى كثيراً عندما أقول لها: إن عمرى قصير، وإننى لن أحيا كثيراً، لكنها قناعتى الشخصية، كنت فى وقت من الأوقات أحب الموت ولا أهابه، ربما لم أعُد بنفس قوة الإيمان، لكنى لم أصِل أبداً لقناعة أن «الموت شر».

كنت فى مكتبى بالقاهرة صباح الأحد الماضى أتأمل خيوط الشمس، وهى تحاول اختراق غيام الشبورة المائية التى كست العاصمة، وحجبت الرؤية تماماً، وبينما كانت الشبورة تنقشع كانت أنباء غير مؤكدة تتواتر حول مقتل على عبدالله صالح، لحظة أن تأكدت من الخبر من مدير مكتب الرئيس السابق توقفت عقارب الساعة، وصمتَ الكون للحظات، وللحقيقة حزنت على نهاية الرجل، يا الله كان يجب أن أكون الآن فى صنعاء لإجراء حوار تأخَّر كثيراً مع «صالح»، حديث عطّلته الظروف والأحداث أكثر من مرة، كنت قد أجريت حواراً مع الرئيس اليمنى السابق فى صنعاء أنا والأستاذ مجدى الجلاد، رئيس تحرير «الوطن» السابق، ومن وقتها وتربطنى بالرجل ومعاونيه علاقة طيبة لن أدّعى أننى و«الزعيم» صرنا أصدقاء، لكن صداقة عميقة ربطتنى بعدد من مستشاريه ومعاونيه، فى أغسطس الماضى كنّا على موعد لإجراء حوار اتفقنا على تمريره عبر الإيميل، وافق الرجل وأرسلت الأسئلة، وانتظرت الرد، الذى تأخر كثيراً بسبب اشتعال أزمة بين «صالح» و«الحوثيين»، كانت البداية الحقيقية للخلاف بين الحليفين «أنصار الله» و«صالح»، وهو الحلف الذى بُنى على أنقاض حروب ست خاضها «صالح» ضد «الحوثيين»، وقت أن كان يعتبرهم الشر الأعظم، لكن رجل التحالفات والتناقضات غيّر بوصلته سريعاً، وتحالف مع أعدائه التاريخيين، ليصوّب نيرانه نحو حليف وصديق الأمس، الرئيس عبدربه هادى منصور، كانت الخلافات قد زادت بصورة كبيرة بين «هادى» الرئيس الشرعى لليمن و«صالح» رئيس الظل الذى يدير كل شىء، ولا يريد أن يعترف أنه خرج من السلطة، لم يصدق «صالح» أن نائبه بل وصنيعته -كما كان يتصور- هادى منصور أصبح الرئيس الذى يملأ كرسى السلطة، بينما هو «صالح» عاد لصفوف الجماهير، لم يستوعب أن نائبه السابق ضاق ذرعاً بتصرفاته وتحكماته، وأنه يدبر الأمر ليتخلص منه ويطرده من اليمن كلها، لم يقبل الرئيس السابق مجرد التفكير فى إخراجه من بلاده، ولم يصدق أنه بلا سلطة ولا نفوذ، أراد «صالح» أن يتجاوز الفكرة التى كانت تطارده فى منامه، فأطلق على نفسه لقب «الزعيم».

سألته يوماً: لماذا يلقبونك بالزعيم؟ قال: لأننى أكبر من فكرة الرئيس، أصبحت زعيماً للأمة وللحزب -حزب المؤتمر الشعبى الذى تقاسم رئاسته مع «هادى» مثلما حاول أن يقاسمه السلطة- «الرئيس محدد المدة بوقت ولايته وعندما تنتهى يعود مرة أخرى لصفوف المواطنين، أما الزعيم فهو باقٍ ما دامت الشعوب».

رقص «صالح» على رؤوس الأفاعى، كما وصف حكم اليمن، حتى لدغته الحية التى احتضنها وفتح لها أبواب صنعاء منذ 3 أعوام؛ ليكيد بها أعداءه بالخليج، بعدما حاول الآن اصطيادها لصالح الخليج أيضاً (قلت لكم إنه رجل المتناقضات).

كانت الأيام الأخيرة للرئيس الراحل عامرة بالمفاجآت مليئة بالدراما والصدمات، خلال الأسبوعين الأخيرين لم يكن «صالح»، ينام كان يخطط ويدبّر للتخلص من الحوثيين نهائياً، بعدما تعمقت الخلافات بينهما منذ أغسطس الماضى، كانت المناوشات بين قوات «صالح وأنصار الله» تقع على استحياء، حتى فجّر الحوثيون الموقف بمحاولة اقتحام مسجد الصالح بوسط صنعاء، وهو المسجد الذى بناه «عبدالله» واعتبره من أهم إنجازاته، كان الحوثيون يخططون للاحتفال بالمولد النبوى من المسجد الكبير بصنعاء، إلا أن قوة تابعة لـ«صالح» منعت دخولهم، لتبدأ المعركة الأخيرة أو الرقصة الأخيرة مع واحدة من أخطر «الحيّات».

فتح «صالح» خطاً مع قادة الخليج حلفائه القدامى عن طريق وسطاء، التقطت الإمارات الخيط وقدمته للسعودية، قدم «صالح» نفسه كمخلِّص لليمن من براثن «الحوثيين» أتباع إيران، فى الوقت نفسه فتح خط اتصال مع قبائل غلاف صنعاء؛ لينضموا إليه، وأرسل مندوباً عنه للقاهرة ليلتقى بعدد من الشخصيات اليمنية البارزة المقيمة بمصر، مهَّد الرجل المسرح إذن، تحالف جديد مع أعداء الأمس فى الخليج ثم تجديد العهد مع قبائل غلاف صنعاء، ونسج شبكة من التربيطات مع كل القيادات اليمنية لرسم مستقبل جديد لليمن -على حد وصف أحد مستشاريه- إلا أن الرياح لا تأتى دائماً بما تشتهى السفن، وقعت الخيانة بعدما انسحب من معركة صنعاء عدد من القبائل التى كانت تحمى «صالح» شخصياً، كانت خطة حماية صنعاء و«صالح» تعتمد على نظرية الدائرة الواسعة التى كان فى القلب منها «صالح» داخل منزله، لكن خيانة ما وقعت فتحت الطريق أمام الحوثيين ليصلوا إلى بيته، كان القتال شديداً ليلة الأحد حول منزل «صالح» بوسط صنعاء، وهو ليس مجرد منزل عادى إنما مجمع سكنى ضخم يضم مكتبه ومكاتب مساعديه ومستشاريه وأطقم الحراسة كذلك، فى تلك الليلة شعر «صالح» أن الأمور تسير نحو النهاية، قُتل العميد طارق محمد صالح ابن شقيقه، ورئيس طاقم الحراسة الخاصة به وأحد العناصر التى كان يُعدّها «صالح» لتولّى المسئولية فى اليمن مع ابنه أحمد.

صلى الرئيس السابق وعدد قليل ممن تبقّى من أفراد حراسته صلاة الجنازة على ابن شقيقه فى مسجد «الثنية» بالقرب من منزله، كان فى تلك اللحظة محاصراً تماماً، يصف المقرّبون من الزعيم اليمنى تلك اللحظة بأنها كانت حاسمة ونادرة فى حياة الرجل الذى حزن حزناً كبيراً على ابن شقيقه وذراعه اليمنى، وأوصى بدفنه إلى جوار قبر أبيه فى حصن عفاش بقريته، خرج بعدها من منزله وسلّم المتبقى من الحراس المنزل الذى قُصف بعنف طوال الليل للحوثيين، كان «صالح» وثلاث سيارات تابعة له يتجهون نحو «سنحان» جنوب صنعاء على مسافة 10 كيلومترات، حاصرته 7 أطقم من الحوثيين، أطلقوا قذائف «آر بى جى» على مقدم السيارة المصفحة، خرج «صالح» من السيارة محاولاً الهرب ليلحقوا به، وتُنهى رصاصة خلف الرأس أسطورة الرجل الذى لا يُقهر.

أخطأ رجل المكائد والتحالفات لأول مرة حسابات المكاسب والخسائر، فدفع حياته ثمناً، قطعت رأسَه «الحيةُ» التى احتضنها ليرقص بها رقصته الأخيرة مع «الثعابين»، قلت لكم إنه ماهر فى التحالفات والحسابات، خطير فى المؤامرات، ضليع فى الدسائس والمكائد، لكنها لعبة الحياة، افعل ما شئت فكما تدين تُدان، وقد فعل «صالح» الكثير والكثير.

ورغم هذا، فإننى لا أنكر أننى حزنت، لا أنكر أننى حبست الدمع فى عينىّ، نظرت نحو أشعة الشمس وصرختُ فى داخلى: آهٍ يا صاحبى، لا نختار مَن نحبهم، ولا أنكر أننى كنت أحب الرجل، غفر الله له.

 

تعليقات الفيس بوك

عاجل