السلاح الشارد فى اليمن
- أجهزة الدولة
- أسلحة جديدة
- أمن الدولة
- إف إم
- الأسلحة والذخائر
- الأطراف المتحاربة
- البحر الأحمر
- التجمع اليمنى
- الجيش الشعبى
- آثار
- أجهزة الدولة
- أسلحة جديدة
- أمن الدولة
- إف إم
- الأسلحة والذخائر
- الأطراف المتحاربة
- البحر الأحمر
- التجمع اليمنى
- الجيش الشعبى
- آثار
قبل ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962، كان السلاح فى أيدى فئة قليلة من المجتمع اليمنى، منهم المشايخ والجنود النظاميون وأفراد الجيش الشعبى، ولكن بقيام الثورة، دخل النظام الجديد فى حرب أهلية طاحنة ضد أتباع النظام السابق، استمرت حتى عام 1967، لتغرق اليمن خلالها فى مستنقع هائل من الأسلحة، انتهى معظمها إلى أيدى المواطنين، وبالتحديد فى قبائل الشمال والشمال الشرقى، ثم اشتعلت حرب الشطرين اليمنيين، التى أسفرت عن الانفصال فى صيف عام 1994، لتصبح أعداد قطع السلاح فى اليمن أكبر بكثير من أعداد المواطنين!
ما يجرى فى اليمن الآن هو نتيجة طبيعية لانتشار السلاح فى أيدى المواطنين خلال هذه العقود المضطربة، دون تدخل من الدولة، وفى بعض الأحيان بمباركتها، هذا ما حذر منه تحقيق تليفزيونى أجريته عام 2004، كان اليمنيون يبلغون آنذاك 18 مليون نسمة، 12 مليوناً منهم كانوا يكتنزون ما يربو على ستين مليون قطعة سلاح، أى بمعدل خمسة أسلحة للفرد القادر على القتال!
سخر منى الشيخ عبدالله الأحمر، شيخ مشايخ قبيلة «حاشد» أكبر قبائل اليمن، الرجل الثانى فى الدولة، حين سألته متندراً: كيف تأمن الدولة على نفسها فى هذه الغابة؟ بعد ثلاث سنوات توفى الشيخ الأحمر على فراش المرض بالسعودية، وبعد أربع سنوات أخرى، تعرض منزله للقصف بقذائف الهاون والأسلحة الرشاشة، على أيدى من كان يبرر لهم حمل السلاح!
قد تزول الدهشة، حين نعلم أن صاحب هذا الموقف المطمئن تجاه السلاح الشارد فى اليمن، هو نفسه مؤسس حزب التجمع اليمنى للإصلاح، الذراع السياسية للإخوان فى اليمن، والذى يعد الشيخ عبدالمجيد الزندانى صاحب الآراء والفتاوى الشاذة أحد زعمائه البارزين!
كان على عبدالله صالح والشيخ الأحمر من قبيلة واحدة، تقاسما كعكة اليمن مناصفة لثلاثة عقود، جلس صالح فى قصر الرئاسة، وترك للأحمر منصة البرلمان، وظل لليمن جناحان: القبيلة والدولة.. القوة والقانون! فإذا اصطدما، كان ولاء المواطن لقبيلته! قالها لى شاب يمنى مدجج بالسلاح، وعلى وجهه ابتسامة عريضة!
طلبت من وزير الإعلام حسين ضيف الله العواضى عام 2004 السماح لى بالتوجه لأحد أسواق السلاح، فنفى وجود هذه الأسواق من الأساس، زاعماً أن الأسلحة المتداولة ما هى إلا مخلفات الاحتلال السوفيتى، يتم توارثها وتداولها بين العائلات والقبائل، من باب التفاخر والزينة!
زادنى موقف الوزير عناداً، شرعت فى الاتصال بصديق يمنى ينحدر من قبيلة مأرب، وهى سيدة القبائل كما يلقبونها هناك، التمست منه العون فى تدبير زيارتى إلى أحد أسواق السلاح.. بعد أيام، كان الصديق قد أعد خطته.. أبرم اتفاقاً مع أحد زعماء القبائل ذوى النفوذ، يقضى بتذليل دخولى متنكراً فى زى يمنى إلى سوق جيحانة للسلاح، مصحوباً بفريق حراسة تحت قيادة نجل شيخ القبيلة، سيؤمن مرور الموكب على أكثر من عشر نقاط للتفتيش من قبل جنود الأمن التابعين للدولة، على طريق يمتد لمسافة ستين كيلومتراً، شرقى العاصمة صنعاء، بعضها تمكنّا من خداعه، والبعض الآخر اضطررنا للهرب منه عبر طرق فرعية فى عمق الصحراء!
سوق جيحانة للسلاح
فى سوق جيحانة، تتوزع الغرائب على نواصى الحانات.. أول ما لفت نظرى هو تلك اللافتة التى تعلو أحد الدكاكين، مكتوب عليها (مهندس الأسلحة)، وكان واضحاً أن صاحبها مختص بإصلاح الأسلحة التالفة.. وعلى مقربة من ذلك المشهد السيريالى، كانت شحنة أسلحة جديدة قد وردت للتو إلى حانة أخرى، راح البائع ينقلها بحذر من سيارته العملاقة إلى داخل الحانة، وكانت القطع جميعها معبأة داخل أكياس محكمة الغلق، ما يشى بكونها لم تستعمل بعد.. ذكر لى أحد الرفاق أن معدل البيع فى السوق يتوقف على مستوى الفتن الاجتماعية، فكلما وقعت خصومات ونزاعات بين القبائل زاد الإقبال على الشراء، وكلما تصالح الخصوم انخفض البيع، وهذا يؤثر على الأسعار أيضاً.. وروى لى كيف شهدت قبيلة حاشد (التى يتزعمها الشيخ الأحمر) مجزرة بين قبيلتى ذو فارع وآل المعمرى التابعتين لها، بسبب خلاف على قطعة أرض لا تتجاوز مساحتها خمسين فداناً، واستخدمت فى تلك المجزرة كافة أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة..!!
طلبت من مرافقى اليمنى أن يأذن لى بدخول أحد دكاكين الأسلحة.. فقبل بعد إلحاح، على أن أواصل التزامى بالصمت خشية أن ينكشف أمرنا لرواد السوق.
السلاح الإسرائيلى فى اليمن
دخلنا إلى دكان يزدحم بترسانة من مختلف الأسلحة والذخائر.. طلب أحد الرفاق من البائع أن يطلعنا عما لديه، فشرع فى استعراض أحدث أسلحته المعروضة بأناقة على الحائط من مسدسات وبنادق عادية وآلية، مدافع رشاشة عيار 12.7 و14.5 مم مضادة للطائرات، قذائف آر بى جى مضادة للدبابات، قنابل يدوية، ألغام فردية، كلاشينكوفات روسية، بنادق أمريكية، إف إم جى 3..... وفجأة، ذكر الرجل مباهياً أنه يملك أفضل الرشاشات والمسدسات الإسرائيلية!! وكان الصحفى اليمنى المخضرم عبدالبارى طاهر قد نبهنى قبل أيام من تلك الرحلة إلى أن السلاح الإسرائيلى يجرى تسريبه إلى اليمن بسبب عدم انضباط الأمن فى المنافذ والمرافئ، وأنه يباع بأثمان رمزية، كى يقبل الناس على شرائه.. ثم أكد لى تلك المعلومة الشيخ عبدالله طعيمان شيخ مشايخ قبيلة جهم، وأضاف جازماً أنه يُهرب عن طريق البواخر ضمن صفقات كبرى بغير علم الحكومة.. التقيت فيما بعد بوزير الإعلام حسين العواضى، وسألته: كيف دخل السلاح الإسرائيلى إلى اليمن؟ فلم ينف تهريبه من الخارج، وقال إن بلاده تستعين بخبرات أمريكية وألمانية ويابانية بغرض حراسة سواحلها الممتدة على مسافة 2500 كيلومتر كى تمنع تهريب ذلك السلاح الإسرائيلى، تماماً كما يهرب -على حد زعمه- إلى دول عربية أخرى!
سألته: هل تعتقد أن إسرائيل متورطة فى إنعاش سوق السلاح فى اليمن؟ قال بالنص: ربما عن طريق التسـريبات من البحر الأحمر.. وهى الآن تسعى إلى وجود قريب من اليمن، لكن اليمن متيقظة، وهى بحاجة إلى مساعدة الأشقاء والأصدقاء لمنع هذا «التسرب»!
القات والسلاح فى صنعاء
بعد عودتى إلى صنعاء دعيت إلى مقيل أحد الصحفيين اليمنيين الكبار لتناول الغداء ومضغ القات بصحبة عدد من أبرز رجال المعارضة، ولأنى أعلم أن ذلك الطقس لا يخلو من مغزى إنسانى، إذ نادراً ما يمارسه اليمنى وحيداً، وإلا تعرض للنقد من أقرانه، فقد لبيت الدعوة، طامعاً فى أن أحظى من خلالها بمزيد من الأصدقاء، لكننى لم أعد بالمشاركة فى مضغ أو تخزين القات!
وفد المدعوون على المقيل بعد تناول الغداء وأداء صلاة الظهر، خلع الجميع أحذيتهم عند باب الغرفة، وعلق البعض منهم جنبيته والبندقية وغطاء الرأس على أحد المشاجب المنصوبة فى الأركان، فيما كان صبى ذو بشرة حالكة السواد يتأهل لخدمة المجلس بصب ماء الورد على كفوف الوافدين، وقد سألت نفسى ما إذا كان لذلك الصبى الذليل علاقة بما قرأته وسمعته عن ظاهرة الاسترقاق، التى لا تزال تشهد اليمن آثارها فى بعض المناطق النائية.. اتكأت على وسادة -وفقاً لنصيحة مضيفى- ونظرت بعمق إلى على الصرارى عضو الحزب الاشتراكى اليمنى، الذى كان يتربع إلى جوارى منكباً على كومة من أغصان القات، وكان يقطف أوراقها الصالحة للمضغ، ويطهرها بإصبعى السبابة والإبهام، ثم يضعها فى شدقه.. سألته عن موقفه من حمل السلاح فى اليمن، قال بلسان يغالب حشوة القات الآخذة فى التمدد داخل فمه: إن اليمنيين لا يحملون السلاح من أجل حماية الوطن كما يزعمون، بل يتاجر أغلبهم به كسلعة، حتى صار اليمن لا يحتمل تلك الكمية من الأسلحة والذخائر التى تزيد عن حاجته.
السلطة تغذى الخلافات القبلية
وأضاف: الخلافات القبلية ليست خلافات تجرى بالصدفة.. هناك أطراف فى السلطة تدفع نحو هذه الخلافات وتغذيها، وتمد الأطراف المتحاربة بالسلاح، وأنا أعتقد أن الصراعات القبلية وانتشار العنف هو جزء من السياسة الرسمية للدولة فى اليمن!
عقّب عبدالبارى طاهر عميد الصحفيين اليمنيين، الذى ينبذ القات، لكن يشارك فى جلساته، قائلاً: فى اعتقادى أن الغرض من انتشار السلاح ليس حماية السيادة والاستقلال ولا مواجهة أمريكا ولا إسرائيل كما يقولون، حمل السلاح فى اليمن خلل مجتمعى، خلل فى النظام، خلل فى القانون، فى الدستور، وهو يرتبط بالظاهرة القبلية، يرتبط بالخوف والحذر من المجتمع المدنى، وهذا يعنى إضعافاً دائماً ومستمراً لهيبة الدولة.. وأضاف: اليمن كانت إلى ما قبل الوحدة يوجد فيها سوق واحد وحيد للسلاح هو سوق الطلح، ويبعد 20 كم عن صعدة، وكانت تباع فيه القنابل والآليات والألغام، ولكن الآن اليمن تحولت بالكامل إلى سوق للسلاح!
تحذير 2004: اليمن قابلة للاشتعال
وأكد أن اليمن قابلة للاشتعال فى أى لحظة، هيبة الدولة تتآكل، الناس يلجأون إلى الثأر بأنفسهم فى غياب النظام والقانون والعدالة، إذا حصلت فتنة بين قبيلتين لا تحل بسهولة، كل القبائل مسلحة، وأصبحوا يحتكمون إلى السلاح فى حل أبسط المشكلات!
تدخل عبدالرحمن أحمد عبده، مدير تحرير صحيفة الشورى آنذاك، بقوله: إن صعوبة نزع السلاح من المواطنين تعود إلى افتقادهم الثقة فى أجهزة الدولة الأمنية والقضائية، والفرد اليمنى على الأرجح يجد فى السلاح وسيلته لنيل حقه، وضمان أمنه، وحماية أرضه وشرفه.
أثناء المقيل، كان البعض يدخن الشيشة، أو المداعة كما يلقبونها، فيما آثر البعض الآخر احتساء شراب غازى لتلطيف حلقه، الذى ما يلبث أن يجف مع امتصاص العصارة المخدرة من أوراق القات.. وقرب الغسق اتصل بى الصحفى اليمنى المخضرم محمد حاتم القاضى، وعندما أدرك أننى بصحبة جمع من المخزنين، بادر بالاعتذار كونه اتصل خلال (الساعة السليمانية)!! فلم أفهم، وسألته: ماذا تعنى بتلك الساعة السليمانية؟ أجاب موضحاً: هى الساعة التى يختمر فيها أثر القات لدى المخزنين، فيشرعون فى الصمت، بعد تبادل الحديث على نحو متواصل لأربع أو خمس ساعات، ويذهب كل منهم بعيداً إلى عالمه الذى يتطلع إليه!! وأضاف ساخراً: أى إنك حالما تخزن القات، سوف تذهب فى تلك الساعة إلى الإسكندرية حيث تتمنى أن تزور عائلتك وأصدقاءك!! أيقنت حينئذ أن علىَّ أن أستبق الوقت قبل أن تداهمنا تلك الساعة الغامضة، فاستأذنت بالانصراف، مخلفاً ورائى مكاناً شبه مظلم، تتردد فيه أصوات البصق وقرقرة النرجيلات!!
موقف الداخلية: السلاح لا يسر!
طلبت التعليق من العميد ركن صادق صالح، مدير العمليات بوزارة الداخلية اليمنية آنذاك، فقال: إن انتشار السلاح فى اليمن لا يسر لا مواطنين ولا مسئولين!
التقيت بأحد أبرز قادة حزب التجمع اليمنى للإصلاح محمد قحطان، الذى خطفه الحوثيون مؤخراً، فقال لى مستنكراً: هناك كثير من شيوخ القبائل تعرضوا للاغتيال والثأر داخل المدن.. هل تعتقد أن أحداً يحبذ هذا؟
بينما رجح سلطان العتوانى، القيادى فى التنظيم الوحدوى الشعبى الناصرى، أن يؤدى ضعف الرقابة إلى حدوث بعض السرقات فى مخازن أسلحة الجيش، وهو ما لا يكشف عنه إلا فى فترات لاحقة، وربما لا يكشف عنه على الإطلاق!
«الأحمر»: السلاح رمز الرجولة!
ذهبت للشيخ عبدالله الأحمر فى قصره المحصن، وسألته عن موقفه من هذه الفتنة النائمة، فقال ساخراً: إن السلاح بالنسبة للفرد اليمنى رمز للرجولة، وجزء من الهندام والزى اليمنى! قلت له: ألا يمكن أن تتحقق العزة والأناقة بأى شىء آخر غير السلاح؟ أجاب: هذه طبيعة الفرد اليمنى من زمان!
سألته: هل تعرف كم يبلغ حجم السلاح المنتشر بين المدنيين فى اليمن؟ قال ببساطة: يمكن مليون أو مليونين!
قالها لى وهو ينظر إلى حراسه المحيطين بجلستنا، دون أن يدرى أن هذه الساحة ستتحول إلى خراب، بفعل قذائف «المتأنقين بالسلاح» بعد بضع سنوات فقط!