الأخطاء الكبيرة لمكتب الإرشاد!

د. محمد حبيب

د. محمد حبيب

كاتب صحفي

(١) فى صبيحة يوم الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٠٩، وقبل جلسة مكتب الإرشاد التى ترأستها، دعانى المرشد العام «عاكف» إلى غرفة مكتبه، وأعطانى ورقة صغيرة كتب فيها هذه العبارات: «سأوجد بالمكتب معظم الأيام، أقابل الإخوان وغيرهم من كل مكان، وأتعاون ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ولكن يجب أن يعرف جميع إخوان المكتب أننى لن أحضر جلسات المكتب نهائياً، علماً بأن العلاقات الإنسانية للأفراد، أسأل الله أن أكون وفياً لها».. لعلى أذكّر القارئ الكريم أننى قبل أسبوع من هذا التاريخ، طالبت المرشد ألا يتغيب عن المكتب حتى يكون على مقربة مما يحدث داخل مقر مكتب الإرشاد، لكنه للأسف أبى ذلك.. غير أننى فوجئت به يأتى إلى المقر بعد نحو نصف الساعة من رفضه(!).. الآن هو يقرر أنه سيوجد بالمكتب معظم الأيام، لكنه سوف يكون بمنأى عن جلسات مكتب الإرشاد.. هذا هو المرشد «عاكف»، تحركه عصبيته وعدم ثباته الانفعالى إلى مواقف غير محسوبة، فهو فى الصباح برأى، وفى الليل برأى آخر.. وهذا لم نكتشفه فى هذا التوقيت فقط، بل كنا نعرفه عنه منذ عقود.. مع ذلك، تم اختياره مرشداً، الأمر الذى يعكس خللاً واضحاً لدى أعضاء مكتب الإرشاد الذين اختاروه عقب وفاة المستشار المأمون الهضيبى.. ولا شك أن كلمة «نهائياً» تعطى إحساساً بمدى الحالة المأزومة التى كان يعيشها المرشد مع أعضاء المكتب الذين تم اختيارهم -كما سوف نرى فيما بعد- عبر انتخابات «مزورة» اعتبرتها شخصياً خيانة للأمانة..

(٢) وفى صبيحة الخميس ٢٢ أكتوبر، اتصل بى المرشد من منزله وأخبرنى بأن قناة الـBBC العربية قامت بتسجيل حوار معه سيبث فى تلك الليلة، وأن رئيس تحرير صحيفة «المصرى اليوم» ومعه صحفيان سيأتون إليه فى منزله لإجراء حوار معه سوف ينشر فى عدد السبت ٢٤ أكتوبر.. ولما كان بعض أعضاء مكتب الإرشاد وآخرون، منهم محمود عزت، محمد بديع، جمعة أمين، لاشين أبوشنب، سعد الحسينى، عبدالحميد الغزالى، وحمدى حسن، قد انزلقوا إلى ما يطلق عليه «فوضى التصريحات»، فقد طلب منى المرشد أن يكف الإخوان عن الإدلاء بأى تصريحات.. وفعلاً أبلغت بعضهم بذلك.. وفى صبيحة السبت، فوجئت بتصريحات المرشد نفسه فى صحيفتى «المصرى اليوم» و«الدستور».. لم أصدق عينىّ وأنا أقرأ ما قاله الرجل.. وقد نجحت «المصرى اليوم» فى إبراز بعض ما جاء فى الحوار بعناوين (مانشيتات) كبيرة، كان أهمها: أ) عقدنا صفقة مع النظام عام ٢٠٠٥ بخصوص الانتخابات البرلمانية، ب) هناك سر غامض فى مكتب الإرشاد لا أعرفه، ج) لم يحدث أن فوضت الدكتور محمد حبيب بأى شىء (!!!)

(٣) والحقيقة أن أعضاء مكتب الإرشاد اعترضوا على التصريحات الخاصة بالقضيتين؛ الأولى والثانية (الصفقة مع نظام حكم مبارك، والسر الغامض فى مكتب الإرشاد)، أما القضية الثالثة (التفويض) فقد غضوا الطرف عنها تماماً، لأنها جاءت على الهوى.. هذا بالرغم من أن بعضهم (محمد بديع، محمود عزت، ومحمد مرسى) كانوا حاضرين ويعلمون جيداً أن الرجل قال ذلك.. ومن الملاحظ أن هذه القضايا لم تنل أى اهتمام من الإخوان على مستوى الصف، وكأن المرشد لم يقل شيئاً.. وفى ظنى أن السبب راجع إلى أن الإخوان لا يقرأون الصحف(!).. وحتى لو علم هؤلاء بهذه التصريحات، فإن أحداً منهم لم يسأل عما تعنيه، سواء بالنسبة للقضايا الثلاث، أو القضيتين الأولى والثانية؛ الأمر الذى يمثل ظاهرة مأساوية فى العقلية والتركيبة النفسية والوجدانية عند الإخوان.. حتى القلة من أصحاب الوعى والنظرة الناقدة والمتأملة لم يبدوا شيئاً، إزاء ما تفوه به المرشد.. لم يتوقف أحد منهم ليسأل: هل صحيح أن قيادة الجماعة عقدت صفقة مع نظام حكم مبارك بخصوص الانتخابات البرلمانية عام ٢٠٠٥؟!

(٤) إن ما جرى بشأن هذه الانتخابات، كان فى الحقيقة صفقة سعى إليها النظام، وفرح بها قادة الإخوان.. فقد دُعى المرشد للقاء شخصية مسئولة فى الدولة لإبلاغه برغبة النظام فى إتاحة الفرصة للإخوان بأن يكون لهم تمثيل بمجلس الشعب.. أناب الإخوان كاتب هذه السطور وخيرت الشاطر فى التفاهم مع المسئولين حول العدد.. وقد أراد النظام أن يكون نصيب الإخوان ٣٤ نائباً فقط، أى ضعف العدد الذى حصلوا عليه فى انتخابات عام ٢٠٠٠، لكنا رفضنا الفكرة من حيث المبدأ.. وكانت وجهة نظرنا أن يترك الأمر للناخبين.. فعرض النظام زيادة العدد إلى ٤٠، ثم ٤٥، لكن المسألة لم تلق لدينا قبولاً.. لذا، اقترحنا عليه أن نخفض من عدد المرشحين، شريطة أن تتم العملية الانتخابية بكل الشفافية، فوافق.. فقمنا بتخفيض العدد من ٢٠٠ إلى ١٦١ مرشحاً.. فاز الإخوان بـ٣٤ نائباً فى الجولة الأولى، و٤٢ فى الجولة الثانية حيث كانت الأوضاع هادئة، لكنا فوجئنا فى الجولة الثالثة بانقلاب فى الأوضاع، حيث تم اعتقال ١٧٠٠ من الإخوان، وأصيب ٨٠٠ بجراح شديدة، وقتل ١٤ شخصاً، ولم يفز سوى ١٢ عضواً فقط، وتم تزوير ٤٠ مقعداً.. بالطبع كان خبر «الصفقة» معلوماً لدى مسئولى المكاتب الإدارية للإخوان، لكنه لم يكن مشاعاً على مستوى الصف.. وهكذا كانت طبيعة الإخوان..

(٥) لماذا صرح المرشد بهذه الصفقة لوسائل الإعلام بعد ٤ أعوام من وقوعها؟ هل لأن النظام أصبح يضيّق على الإخوان؟ ربما، خاصة أن المرشد وقيادات الجماعة كانوا يشنون هجوماً على النظام، بمناسبة وبدون مناسبة.. لقد كانت المعارضة تشك فى وجود مثل هذه الصفقة، لكنها لم تكن واثقة أو متأكدة منها، وها هو المرشد يعلن عنها.. وبالتالى، صار يحق للمراقبين والمحللين والمتابعين للشأن العام أن يتساءلوا: كيف يشن المرشد هجوماً على النظام فى العلن ويعقد معه صفقة فى السر؟ وهل يستقيم ذلك؟ وما الفارق إذاً بين الإخوان وغيرهم؟ إن قيادات الإخوان لا يملون القول بأنه لا يمكن عقد صفقات مع النظام، لكن ها هو المرشد يفاجئ الجميع بالحقيقة.. والغريب أنه لم يتهم أعضاء المكتب -إياهم- المرشد بإفشاء أسرار الجماعة، كما اتهموا النائب الأول قبلها بأيام.. وكأن المرشد له الحق المطلق فى أن يقول ما يريد، حتى ولو قام بتوريط الجماعة فى مصائب كبرى يتحمل الإخوان تبعاتها؛ رجالاً ونساء، شباباً وأطفالاً.. هذا لا يهم.. المهم أن المرشد قد قال، وجاء قوله متوافقاً مع الهوى المريض! والغريب أيضاً أنه لو حدث أن أصدر أحد من الإخوان تصريحاً مخالفاً لسياسة الجماعة أو قراراتها أو أفشى سراً من أسرارها -كما فعل المرشد- لثارت ثائرة الإخوان فى كل مكان، ولقامت الدنيا ولم تقعد، ولطالبوا بالتحقيق الفورى وتوقيع العقوبة عليه(!)