ابن نادية (قصة قصيرة)

ألو.. الحمد لله إزيك يا ماما.. أنا في المستشفي عند حماتي.. آه والله مبسيبهاش خالص بروح الشغل أمضي وآجي أقعد معاها طول النهار حتي آسر بخلي السواق يجيبهولي علي هنا.. ألو.. ماما.. الصوت بيقطع ثانية واحدة هكلمك من بره.

أكملت نادية يومها الحادي عشر ممددة علي ذلك السرير بعد أن أصيبت بجلطة دماغية أدخلتها في غيبوبة، ولكن الطبيب طمأنهم أن حالتها تتحسن، ومن المنتظر أن تستعيد وعيها بين الحين واﻵخر، وبالفعل بدأت تشعر بالعالم من حولها منذ ليلة أمس، ولكنها حتي اﻵن غير قادرة علي فتح عينها، فقط بالكاد ميزت صوت زوجة ابنها، وشعرت بالإمتنان والسعادة حين رأت إهتمامها، وأيضا قليل من الندم علي سوء ظنها بتلك الفتاة.

أيقظ حواسها مرة أخرى نفس الصوت حين سمعته يقترب، "عندك حق والله يا ماما الله يسامحها، الولية كانت فاكرة نفسها هتعيش 200 سنه، وفي اﻵخر لا هي لحقت تصرفهم ولا إحنا استفادنا بيهم، على العموم أنا بعمل اللي عليا علشان محدش يقول عليا قليلة الأصل، وقليلة اﻷدب كمان، "قالتها نادية محدثة نفسها وأخذت تفكر: هل كرهتها تلك الفتاة بخطأ ارتكبته أم لعدم تأدبها وأصلها المتدني، ثم شعرت بألم شديد يعصف برأسها حاولت مرارا وتكرارا أن تفتح عينها، ولكنها كلما حاولت كلما أشتد اﻷلم حتي استسلمت في النهاية وراحت في سبات عميق لم تستطع أن تميز كم مر من الوقت، هل كانت ساعات أو أيام حينما عاد إدراكها مرة أخري حين شعرت بيد تحتضن كفها برقة، كان ذلك خالد ابنها الكبير، لطالما كان وجوده بجوارها مصدر فخرها وسعادتها.

دب اﻷمل في أوصالها حين قبل رأسها وحاول إحتضانها وشعرت أن اﻷزمه قد انجلت وأنها عائدة لمنزلها اليوم، أرادت أن تتحدث وتخبره أنها بخير ولكن فمها أبى أن ينفتح، صرخت مرة واثنان وعشر ولكن دون أن يسمع لها صوت.

زوجة خالد: عملت إيه مع الراجل اللي هيأجر المحل؟.. خالد: راجل ابن(... ).. عايز يآخد المحل بتراب الفلوس، وهتعمل إيه؟.. هديلو بالجزمة هو والسمسار ال(...) اللي جايبو.. ولاد ال(....)اللي شغالين في المستشفي دي ماجوش ينضفو الأوضه ليه؟.. نادية محدثه نفسها: الولد ده لسانه طويل ليه كده؟.. اسكت يا ابني ارحمني.. كل ماتشتم حد بأهله الملائكة بتلعني.

ثم حضر حفيدها، تمنت نادية أن تنهض لتقبله، ولكنه لم يكن أحسن حال من أبيه وأمه فسرعان ماشعرت بخيبة اﻷمل نفسها التي خلفتها بذاءة أبيه، ونفاق أمه، فقد جاء آسر متفاخرا بأخذ أقلام صديقه دون علمه حتي يرد له مقلب والمؤسف أن والده وافقه علي فعلته وحين اعترضت زوجته وبخها وقال لها أن الولد لابد أن يتعلم أخذ حقه، هكذا تكون الرجولة.

شعرت نادية بجلطة جديدة أصابت رأسها، تمنت لو لم تسمع ماسمعت، أصابها اليأس، وتمكن منها المرض فأدركت أن الموت اقترب لا محاله، وأن الحياة قد رفضت استقبالها مرة أخري عكفت علي تلاوة القرآن وترديد كل ماحفظت من آيات ثم استغفرت الله علي تقصيرها فيما تعلم وما لاتعلم.. يا الله أنت من وضعت باﻷم غريزة اﻷمومة، وحب اﻷبناء وأنت أعلم أني لم أقصد إفساد أخلاق ابني أنا حقا لم أعلمه البذاءه، ولكني تركته يتفوه بها ولم أعاقبه حتي يأخذ حقه ولا يقهره أحد، لم أعلمه دفع الرشاوي، ولكنه رآني أحضر الهدايا لأستاذه بالجامعة كي ينجح بلا مجهود، لم أعلمه قلة الضمير ولكنه رآني أكيل بمكيالين حين كبر وبدء يتباهى بمعاكسة ابنة الجيران، فضحكت له ومدحت رجولته، أما ابنتي فغير مسموح ﻷحد بالنظر إليها أو حتي التفكير بها.. يالله إن كان أجلي قد حان اغفر لي وسامحني وإن كان بعمري بقيه أعطني القوة كي أصحح أخطائي.. وأهدي يالله أبنائي فهم عملي بالدنيا إن صلحو صلح كتابي وثقل في الميزان وإن فسدوا خف ميزاني وهلكت.. مرت أيام.. وربما أسابيع يأس فيهم الجميع من شفائها حتي أصبحت زيارتها عبئ عليهم فتقلصت مواعيد الزيارة، وبات الجميع مؤهلين لخبر الوفاة، حتي جاء يوم صرخ فيه آسر: "تعالو بسرعه ناناه فتحت عنيها".

تمت