ربما يكون مفهوماً، تعثر الثورة المصرية حتى الآن وعجزها عن إحداث التغيير المنشود فى النطاق الداخلى؛ لكن غير المفهوم ولا المقبول هو عدم حدوث تغيير حقيقى فى إدارة مصر لعلاقاتها الخارجية، واستمرار عملية صنع وتنفيذ السياسة الخارجية المصرية على ما كانت عليه قبل الثورة. فقد استبشر المصريون خيراً مع تولى نبيل العربى وزارة الخارجية بعد الثورة، ففى أسابيع قليلة أعطى إشارات قوية باتجاه تنشيط الدبلوماسية المصرية وإحياء دورها الإقليمى؛ لكن سرعان ما تبددت تلك الآمال مع إزاحة العربى إلى الجامعة العربية، وعادت مصر خارجياً كما كانت فى العقديْن الماضيَيْن، منطفئة، منكفئة على نفسها، مترددة متوددة لغيرها، متخاذلة، متنازلة عن مكانتها.
يمكن رصد مواقف كثيرة لم يقل فيها الأداء المصرى سوءاً وارتباكاً عما كان عليه قبل الثورة، بعض هذه المواقف يتعلق بعلاقات ثنائية، مثل مقتل عسكريين مصريين على الحدود مع إسرائيل وما عرف بعدها بأزمة السفارة الإسرائيلية، ثم أزمة الجيزاوى والاعتداء على السفارة السعودية، والتوتر المكتوم مع ليبيا بسبب وجود بعض رجال نظام القذافى فى مصر وتأثر القاهرة سلباً بالانفلات الأمنى وانتشار السلاح فى ليبيا، بالإضافة إلى المسارات الثنائية، لم تكن السياسة الخارجية المصرية أقل ارتباكاً وتردداً فى القضايا والتطورات الإقليمية، مثل الأزمة السورية، والملف النووى الإيرانى، فضلاً عن الملف الخطير المتعلق بمياه النيل.
فى كل هذه الملفات، من الظلم تحميل الثورة المصرية أو عدم الاستقرار الداخلى مسئولية تقييد حركة مصر الخارجية، بل إن وجود ثورة أو على الأقل تعاظم الاهتمام الشعبى بالكرامة والعزة المصرية، كان يكفى سبباً وظهيراً يدعم سلوك نهج مختلف فى إدارة سياستنا الخارجية.
لكن من أسف، أن مصر لا تزال تعانى من غياب النظرة الشاملة بعيدة المدى، ولا تزال حركتها الخارجية تفتقد التمييز بين التكتيكى والاستراتيجى، بل كثيراً ما توجه بوصلتها بشكل عكسى، فحين يجب التعامل مع موقف مؤقت أو أزمة طارئة بحزم وكرامة، يتسم الأداء المصرى خطاباً وسلوكاً بليونة وميوعة مستفزة، وحين تكون الحنكة والعقلانية مطلوبة، تأتى السياسة المصرية بحركات عنترية غير محسوبة، ولا تبرير مفهوم ولا تفسير مقبول للخلط بين المصالح العليا للدولة وأمنها الوطنى الذى يقتضى سياسة خارجية نشطة وديناميكية ومبادأة بل وتدخلاً عند اللزوم. والمواقف الجزئية التى يكون الترفع عنها ومعالجتها بقدرها دليل قوة لا ضعف.
السياسة الخارجية المصرية فى أشد الاحتياج إلى إعادة نظر شاملة، تتجاوز منطق الترقيع والتجميل الذى يحكم السياسات الداخلية، مطلوب مراجعة جذرية لأهداف وأسس وأدوات السياسة الخارجية المصرية، وتغيير فعلى للعقليات والتوجهات لا للأشخاص والمسميات، وإذا كانت الدبلوماسية المصرية قد تأثرت -شأن بقية المؤسسات- بترهل وشيخوخة نظام مبارك بسياساته وآلياته وأشخاصه، فإن استمرار هذا الوضع بعد عام ونصف من العام من الثورة، لا يمكن قبوله ولا الصمت إزاءه بأى ذريعة كانت.
سامح راشد