الانتخابات فى مشروع الدستور

تحدثنا فى الأسبوع الماضى عن النظام الانتخابى فى مشروع الدستور (مشروع لجنة العشرة)، وعدّدنا مثالب المنحى الذى اتخذه المشرع، بتقرير النظام الفردى فى الانتخابات البرلمانية القادمة، ولن نكرر ما قلناه فى هذا المقال، لكننا سنتناول نقاطاً جديدة أتى بها مشروع الدستور وتخص الشأن الانتخابى، وتلك النقاط بعضها مهم وجدير بالتقدير، وبعضها الآخر يستحق وقفة قبل أن يقر الدستور، عقب الاستفتاء عليه، والمقرر أن يجرى فى مطلع ديسمبر 2013. أولاً: إلغاء نسبة العمال والفلاحين فى عضوية المجالس البرلمانية، وهذه النسبة قُررت عام 1964، وعلى الرغم من أن الجمعية التأسيسية لوضع دستور 2012 قررت إلغاءها، فإنها عادت وأقرتها بليل، وذلك فى اليوم الأخير لها، باقتراح وزير القوى العاملة الإخوانى خالد الأزهرى، رغبة فى ابتزاز أغلبية أهل الريف والعمال فى الانتخابات البرلمانية القادمة. المهم أن المشرع الدستورى أحسن صنعاً بإلغاء تلك النسبة، نظراً إلى أنها أقرت فى أوقات معينة، كان الغبن على العمال والفلاحين فيها كبيراً، أما الآن فالغبن يطال الجميع، كما أنها نسبة تتنافى مع مبدأ المساواة فى الدستور، وكذلك هى نسبة أصبحت تستغل من غالبية المترشحين، ليثبتوا أنهم منتمون لتلك الفئة وهم ليسوا كذلك، الأمر الذى أدخل إلى المجلس فئات من المهنيين ضمن العمال والفلاحين، وجعلنا نشاهد برلمانات تدافع فيها الفئات عن حقوق العمال والفلاحين، ويقف فى وجه تلك الحقوق من هم ترشحوا على أساس تلك الصفة. ثانياً: أحسن المشرع الدستورى صنعاً بإلغاء المادة المخصصة للعزل السياسى من دستور 2013. وهذه المادة هى م 232 التى أقرت فى اليوم الأخير لاجتماع الجمعية التأسيسية، ونصت على منع قيادات الحزب الوطنى الديمقراطى المنحل من ممارسة العمل السياسى والترشح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية مدة 10 سنوات. وقد قصد بهذه القيادات أعضاء الأمانة العامة ولجنة السياسات والمكتب السياسى وأعضاء مجلسى الشعب والشورى، فى الفصلين التشريعيين السابقين على قيام الثورة. وقد كنا عقب اندلاع الثورة مباشرة من أول الداعين إلى العزل السياسى، وكانت تلك الرغبة ذات أبعاد عاطفية مهمة، لكن الوقوف بعض الوقت والتمعن تجاه تفعيل والذود عن دولة القانون البازغة، يجعل المرء يعيد التفكير، ويشير لحتمية العزل السياسى فقط لكل قيادات الحزب الحاكم ممن أدينوا من قبل القضاة، وحدهم دون غيرهم. ثالثا: نص مشروع الدستور على أحد الأمور التى شغلت بال اللجنة العليا للانتخابات مدة طويلة، وكلفت الدولة ملايين الجنيهات، وهى قيام اللجنة على عمليتى الاقتراع والفرز خلال الانتخابات، داخل اللجان الانتخابية بالسفارات والقنصليات المصرية بالخارج. الأمر الذى كلف خزانة الدولة كثيراً، خاصة فى البلدان التى كان يذهب القضاة للإشراف على الانتخابات فيها، وتتضمن عشرة أو عشرين مصرياً مسجلاً فقط. وتزداد المصيبة عندما لا يحضر هؤلاء بعد كل هذه التكلفة. هنا أتاح مشروع الدستور للسفراء والقناصل الإشراف على عمليتى الاقتراع والفرز، بالقول فى م 65 فقرة 2 وينظم القانون مشاركتهم (المصريون بالخارج) فى الانتخابات، والاستفتاءات بما يتفق والأوضاع الخاصة بهم دون التقيد فى ذلك بأحكام الاقتراع، والفرز، وإعلان النتائج المقررة بهذا الدستور، وذلك كله دون إخلال بالضمانات التى تكفل نزاهة عملية الانتخاب أو الاستفتاء، وحيادها». رابعاً: عالج الشارع الدستورى أحد العيوب الجوهرية التى خلّفها جهابذة دستور 2012، وكادت تؤدى لوقوع خلاف كبير بين المحكمة الدستورية العليا والمؤسسة العسكرية. وذلك عندما تركوا نصاً يسمح بتصويت العسكريين دون قصد وبجهل كبير منهم. وذلك عندما أشار الدستور فى المادة 55 إلى أن «مشاركة المواطن فى الحياة العامة واجب وطنى، ولكل مواطن حق الانتخاب والترشح وإبداء الرأى فى الاستفتاء، وينظم القانون مباشرة هذه الحقوق. وتلتزم الدولة بإدراج اسم كل مواطن بقاعدة بيانات الناخبين دون طلب، متى توافرت فيه شروط الناخب.. .. ». هنا أشار المشرع الجديد فى المادة 64 عقب كلمة «وينظم القانون مباشرة هذه الحقوق» كلمة «ويجوز الإعفاء من أداء هذا الواجب فى حالات محددة يبينها القانون»، وبذلك أتاح الدستور إمكانية قيام قانون مباشرة الحقوق السياسية بإعفاء العاملين فى القوات المسلحة والشرطة من أداء الواجب الانتخابى، خشية من تحزب تلك الفئة، ناهيك عن مصاعب إجراءات التصويت والفرز لبطاقات اقتراعها، وكذلك لدواعى الأمن القومى. خامساً: كرر المشرع الدستورى الحالى ما وقع فيه الشارع الدستورى السابق من خطأ، عندما جعل عدد أعضاء الهيئة الوطنية للانتخابات التى كانت تسمى المفوضية الوطنية للانتخاب، عشرة أعضاء، وهم من صفوة القضاة. والخطأ هنا أنه جعل عدد هؤلاء زوجياً، بمعنى أن هؤلاء ربما لا يستطيعون أن يتخذوا بعض القرارات بالأغلبية. ففى حالة أخذ القرارات بالأغلبية فى أى مؤسسة، يكون عدد أعضاء هذه المؤسسة فردياً، حتى يكون هناك ترجيح فى التصويت.