طارق سعد طارق سعد زمن "الهشتكة" الجميل
الخميس 08-02-2018 | PM 10:22

"سكوووووت..... هنسجل"

جرت العادة أنه دائماً مع المرور الوقت نترحم على ما مضى منه، فإيقاع الحياة المتسارع مع التطور والتكنولوجيا يجعلنا نلهث وراء الوقت فيمر كالبرق نكاد لا نلمحه، وعندما نتوقف لنلتقط أنفاسنا نلتفت للوراء فنجد أجمل أيامنا فى الذكريات، وربما السئ منها جميل أمام ما نواجهه الآن.

"ياما ربى التليفزيون أجيال".. جملة حقيقية، فالتليفزيون منذ نشأته صنع لنفسه هوية قدم من خلالها أعمالاً كثيرة ومتنوعة على مدار عقود ارتبطت بها أجيال، فهذا الصندوق السحرى شكل عقولاً وثقافات وكون شخصيات، ليس من خلال أعماله الفنية فقط، ولكن بصناعته البرامج التى جلس أمامها أجيال وأجيال يتابعونها وما تقدمه من أشكال وأنواع مختلفة.

تنوعت برامج التليفزيون بين الثقافية والعلمية والدينية، والتى صنعت تاريخاً حياً إلى الآن، فلا ننسى "العلم والإيمان – عالم الحيوان - حديث الشعراوى" وغيرها من البرامج التى حققت جماهيرية وارتبط المشاهد بمواعيدها، فبجانب هذه النوعيات من البرامج برع التليفزيون فى صناعة برامج المنوعات والترفيه التى شكلت نقلات كبيرة وجذبت جميع شرائح المشاهدين، وعلى رأسها "كلام من دهب – حوار صريح جداً – يا تليفزيون يا – اخترنا لك – مواقف وطرائف - نادى السينما – أمانى وأغانى - بدون كلام والكاميرا الخفية"، والتى كتبت تاريخاً فى صناعة برامج المنوعات، وأصبح مقدموها نجوماً فى الإعلام وأسمائهم علامة من علامات البرامج التليفزيونية على مدار تاريخه.

ولأن التطور سنة الحياة، تطورت أشكال البرامج ومضمونها الفترة وراء الأخرى، وأصبحت برامج المنوعات والترفيه فى المقدمة تتصدر القائمة، وتحول مقدموها من نجوم للإعلام إلى نجوم مجتمع، فأصبحت المنوعات والترفيه هى الوجبة الرئيسية على مائدة المشاهد، يبحث عنها بين قنوات التليفزيون المحدودة، ويحصل على المتعة والمعلومة وتتحقق له البهجة التى يسعى إليها.

تطورت الحياة وظهرت الفضائيات وتكاثرت القنوات الخاصة تكاثراً ذاتياً، فأصبحت القناة باقة قنوات، منها المتخصصة فى المنوعات والترفيه بجانب السينما والدراما، ومعها تكاثرت البرامج وأصبحت تحيط بنا من كل اتجاه، معتمدة على أن الترفيه هو الاختيار الأول للمشاهد، فاعتمد صناعها على عناصر الإبهار بكل أشكالها، ولجأوا لضخامة الإنتاج، واستقدموا نجوماً لتحل محل أصحاب البيت من الإعلاميين وتجلسهم بحسرتهم على مقاعد المتفرجين، وبين هذا الإبهار وذاك سقط المضمون سهواً وتعمداً، فالأهم هو العائد الإعلانى من الـ "قشرة" التى يقدمها صناع برامج المنوعات والترفيه للمشاهد، فيتحول التطوير والتجديد إلى ما يشبه عمليات التجميل من حقن ونفخ وحشو سيليكون، لتخرج شكلاً فارهاً فارغاً من المضمون وتصبح هذه البرامج مجرد "منظر".

مع هوس التطوير والتحديث والـ "إفتكاسات" لخدمة الإعلانات، أصبحت الشاشة مرتعاً ومهنة من لا مهنة له، فتجد كرسى المذيع من "على كل لون يا باتستا" ممن لا يملكون أية مقومات لهذه المهمة ولا تتحملهم الشاشة المسكينة، من راقصات و"موديلز" وتجار وأصدقاء ومعارف أصحاب نفوذ و"فلوس"، وأستغفر الله وأجارك الله، فيتغير معنى المنوعات ويتغير شكل الترفيه وتشاهد مهازل وفضائح بمعنى الكلمة، من موضوعات ومناقشات تتخطى الخطوط الحمراء بمسافات بعيدة "لزوم الفرقعة"، فى غياب تام لأية رقابة بحجة حرية الإعلام الخاص الذى لم يعد يحتاج لرقابة مع هذه النوعيات، ولكنه يستدعى قبضة "شرطة الآداب" قولاً وفعلاً، مبررين ما يقدمونه بأن المشاهد وسط الضغوط والمشاكل التى تحيطه من كل اتجاه يحتاج الترويح عنه بشكل مكثف ومركز.. يحتاج "الهشتكة"!

هكذا صُنف الترفيه والمنوعات مؤخراً فى صناعة البرامج، وأصبح مصطلحاً دارجاً، فلا مانع من غياب المضمون مقابل التركيز على موضوعات "حراقة" وسطحية وتافهة و"طبل وزمر ورقص" وإيحاءات وعلاقات، لتخرج كمشاهد من الحلقة بعد انتهائها توجه لنفسك اللوم والسباب أحياناً على متابعتك لهذا الـ "عك" الترفيهى الذى يدخل بيوت ملايين الأسر من المشاهدين بمختلف أعمارهم ولا تلتقط منه أية معلومة مفيدة ولو حتى فى سياق الترفيه، والبرنامج ككل لا تتذكره من الأساس سوى ما تركه فى نفسك وذهنك من "سمعة" لا تسعى بسببها لملاحقته فى أية قناة أخرى مما تتهافت على شرائه، لاهثة وراء مكاسبها من وراء وجبة فاسدة مقاديرها "المزيد من العائد الإعلانى مع قليل من المضمون.. وكثير من الهشتكة"!

الغريب أن الموسم الرمضانى الذى كان يتميز ببرامجه ذات الطابع الخاص تراجعت فيه مقابل المد الدرامى من المسلسلات التى أصبحت تعرض على مدار اليوم تزامناً مع الفيضان الإعلانى الموسمى، وما تبقى منها بعض ما يقدمه "تجار الفضائح" تحت تصنيف برامج جريئة فى رمضان!

صناعة البرامج وخاصة الترفيه والمنوعات وكذلك الإعلانات مثل صناعات كثيرة طالتها يد العبث وفساد الأذواق والذمم، وتحتاج لوقفة وإعادة نظر ورقابة مشددة.. وقبل كل ذلك تحتاج لإحياء الـ "ضمير" المهنى، الذى يقدم مجاناً وبشكل مكثف وجبات فاسدة للمشاهدين تسمم أذواقهم وأسماعهم وأبصارهم، رافعين شعار "المشاهد اشتكى من قلة الهشتكة"، والحقيقة أن المشاهد أصبح ينظر لأصحاب هذه النوعية من برامج الـ "هشتكة" بنظرات الرخص والاحتقار.

الحقيقة التى لا يعلمها كثير من صناع الـ "هشتكة"، أن المشاهد المحاصر بهذه النوعية أصبح يهرب إلى الماضى ويقلب فى دفاتره القديمة عائداً لأصوله، ويشاهد برامج الترفيه التى مر عليها سنوات طويلة بحالة من الانبهار والحنين إلى الرقى فى الحالة والمضمون، وهو ما بدأ يحقق نسب مشاهدات كبيرة ربما تتخطى نسب المشاهدات "الحقيقية" لهذه البرامج دون تدخلات خارجية.. يفعل المشاهد ذلك بشكل كيدى.

وبالقياس على ما يحدث الآن، وبمواكبة التصنيف والرد عليه، فيرى المشاهد أن ما كان يقدم "زمان" كان أيضاً "هشتكة" حقيقية ولكنها تحترم ذوقه وعقله.

تمرد المشاهد الواعى أخرج المارد القديم من الـ "قمقم" ليطارد هذا العبث البرامجى المصنف بالـ "هشتكة"، بعدما انتصر له واستحضره من جديد فى رحلة بحثه الخاصة عن.. "زمن الهشتكة الجميل".

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل