حسن أبوطالب حسن أبوطالب إثيوبيا تبحث عن ذاتها
الثلاثاء 20-02-2018 | PM 10:04

أثارت الاستقالة «المفاجئة» لرئيس الوزراء الإثيوبى «هيلا ماريام ديسالين» كثيراً من التحليلات حول الأسباب التى دعت الرجل إلى هذا الموقف غير المعتاد بالنسبة لزعماء أفارقة. السياق الغالب هو أن الاستقالة جاءت تعبيراً عن المسئولية فى حماية الشعب والبحث عن مخارج للأزمة الممتدة التى تعصف بإثيوبيا منذ نوفمبر 2015 وحتى الآن. الفكرة العامة لمن لا يتابع الشأن الإثيوبى تبدو صحيحة، لكن التفاصيل تفصح عن أمور أخرى تبدو غائبة عن المتابعة فى الإعلام العربى عامة والإعلام المصرى خاصة. والسؤال: هل كان الرجل بالفعل قادراً على البقاء ولكنه فضّل الاستقالة؟ بعبارة أخرى: هل كانت الاستقالة اختيارية دون أى ضغوط، أم هناك عوامل أخرى غير مرئية لغالبية المحللين؟

بداية أشير هنا إلى أن التغطية الإخبارية الدولية والعربية، بما فيها المصرية، للأحداث فى إثيوبيا طوال السنوات الثلاث الماضية لا تقدم الكثير من المعلومات حول الانتفاضة الشعبية، والسبب بسيط للغاية، فالنظام فى إثيوبيا نظام مغلق، المعلومات فيه غير موجودة أو غامضة، وهو تحت رعاية الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل، وله أدوار محددة فى استراتيجيات هؤلاء. وغربياً ليس مطلوباً تشويه صورته من خلال نشر الحقائق عما يجرى فى داخله، خاصة أن جموع المنتفضين هم من عرقى «الأرومو والأمهرا»، وينظرون إلى ما يجرى من استنزاف ممنهج لثروات أقاليمهم باعتباره نوعاً من الاستعمار الداخلى المُعزَّز من الخارج، كما يعصف بحقوقهم الطبيعية ولا يقدم لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

«الأرومو والأمهرا» هما العرقان الأكبر فى البلاد من بين 15 جماعة عرقية وقومية، حيث يشكلان 63 فى المائة من إجمالى عدد السكان البالغ 102 مليون نسمة وفقاً لبيانات الأمم المتحدة للعام 2016. غالبية «الأرومو» مسلمون (60%)، وغالبية «الأمهرا» من المسيحيين الأرثوذكس، وهم مهمشون اقتصادياً وسياسياً على نحو بالغ القسوة، فى حين أن أقلية «التيجراى» فى أقصى الشمال التى لا يزيد عددها عن 7 فى المائة من عدد السكان تسيطر على السياسة والأمن والمخابرات والجيش وكافة الأجهزة الأمنية والنشاط الاقتصادى بأنواعه المختلفة. ويُذكر أن 57 من إجمالى قادة الجيش الكبار البالغ عددهم 61 هم من «التيجراى»، ورؤساء الأجهزة الأمنية جميعهم تقريباً من التيجراى، وإن وُجد أحدهم من أقلية أخرى فعادة يكون فى مستوى لا يمكّنه من الخروج من دائرة النفوذ الطاغى للقادة التيجراى.

القصص التى تُروى عن الأنشطة الاقتصادية التى يهيمن عليها «التيجراى» كثيرة فى الأوساط الشعبية، فى الوقت ذاته لا توجد معلومات كافية عن أى نشاط اقتصادى تحت مسمى الاستثمار الأجنبى، فى الوقت التى يُذكر فيه الاقتصاد الإثيوبى بأنه الأكثر نمواً فى أفريقيا والثالث عالمياً بنسبة تتراوح ما بين 11 و12 فى المائة سنوياً ولمدة عقد سابق، حسب بيانات البنك الدولى. وهناك استثمارات هائلة قدمت إلى الداخل فى كافة الأنشطة تقريباً، وفى المقدمة الزراعة والتجميع الصناعى والطاقة، ومع ذلك فإن نصف الشعب تحت خط الفقر، وغالبيتهم من الأرومو والأمهرا. أما كبار المحتكرين المحليين للاستثمار الأجنبى فى صورة وكلاء فهم أصحاب شركات من التيجراى، وكثير منهم أعضاء نافذون فى الحكومة وفى الحزب الحاكم.

ومن النماذج المثيرة للإثيوبيين أن «الصندوق الوقفى لتأهيل تيجراى» يسيطر على عدد كبير من الشركات فى أنشطة اقتصادية متنوعة، ويُعد التكتل الاقتصادى التجارى الأول فى البلاد، وهو الذى يسيطر على الشراكات مع الجهات الأجنبية للاستثمار فى الداخل، وليس له أى علاقة مباشرة بالحكومة، ولكنه يوظف هيمنة التيجراى على الوزارات المختلفة فى الحصول على المنافع بكافة أشكالها، مع التهرب من الضرائب وحقوق الدولة، ويقوم بالتوسع فى ملكية الأراضى الزراعية وحول أديس أبابا التى تقع فى ملكية الأرومو حسب التقاليد القبلية والتاريخية، وكذلك حول منطقة سد النهضة الواقع فى منطقة بنى شنقول ضمن إقليم الأرومو. وهناك العديد من الأمثلة على وجود تكتلات أو شركات محلية كبرى، مثل «ميدروك» و«كارتورى جلوبال ليمتد»، ولكنها توفر التغطية للاستثمار الأجنبى للحصول على الأراضى والمزارع وطرد أصحابها التاريخيين منها دون تعويضات أو بتعويضات هزيلة، ثم بعد فترة يكتشف الإثيوبيون أن الشركة المحلية لم تقم بأى استثمار، وأن الأراضى المنتزعة مُنحت لرموز حكومية وحزبية من التيجراى.

انتفاضة الأرومو والأمهرا منذ نوفمبر 2015 وحتى الأسبوع الماضى قوبلت بالقمع الشديد وقتل المتظاهرين واعتقال آلاف من المتظاهرين، وقبل أسبوع من استقالة «ديسالين» تطور الأمر إلى محاصرة العاصمة أديس أبابا وقطع المواصلات العامة، وذلك بالرغم من الإفراج عن عدد من المعتقلين قُدر بستة آلاف، ولكن يبقى فى السجون عدد آخر يزيد على ضعف هؤلاء. وفى أروقة الحزب الحاكم المشكّل من أربعة أحزاب وتسيطر عليها جبهة تحرير شعب تيجراى، وجد «ديسالين» نفسه، والمنتمى لحزب الجبهة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا، وحيداً فى مواجهة مراكز القوى فى الجبهة الحاكمة التى لم تتجاوب مع مطالبه فى اتخاذ خطوات أكثر مرونة وأكثر انفتاحاً سياسياً لاحتواء الموقف المتفجر شعبياً، والذى بات ينذر بآثار وخيمة على الاستثمارات الموجودة وعلى صورة إثيوبيا كبلد أفريقى رائد اقتصادياً على الأقل.

النتيجة التى يخلص إليها أى متابع هى أن سياسة القمع ضد أكبر عرقيتين فى البلاد لم تفلح، وأن مجرد الإفراج عن المعتقلين لا يشكل نهاية للانتفاضة الشعبية، وهنا يبقى البحث عن مخرج يعفى البلاد من آثار سيطرة الأقلية على الموارد والأجهزة الحكومية والثروات والأمن. قادة الأرومو والأمهرا يرون أن الوقت حان لإعادة هيكلة النظام السياسى الإثيوبى ككل، وأن البداية هى حكومة انتقالية مع تعديلات فى الدستور ثم انتخابات حرة تحت رعاية أممية وأفريقية، وهو طرح حتى اللحظة مرفوض من ذوى النفوذ التيجرانيين الذين فرضوا حالة الطوارئ لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد ويرون أن المخرج يتمثل فى تعيين رئيس وزراء جديد، أى إبقاء الوضع على ما هو عليه مع تغيير شخص واحد فقط. بعض التقارير تشير إلى ثلاثة أسماء بارزة مرشحة للمنصب أحدهم «ليما مقرسا» حاكم إقليم أروميا، والثانى وزير الخارجية «ورقنيه قبيو».

خلاصة القول أن الأيام المقبلة ستوضح أن الحلول الجزئية والالتفافية على التهميش الاقتصادى والسياسى لنحو 62 فى المائة من الشعب لن تزيد الوضع إلا سوءاً. المطلوب إثيوبيا جديدة تراعى كل مواطنيها، كما تراعى حقوق الغير معاً.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل