كلما عبرت بجوار مكان منزوٍ؛ خلف منشأة حكومية أو أسفل الكبارى، أو الأنفاق المؤدية إلى المترو، أشم رائحة بول شديدة ومنفرة، وتتجسد فى مخيلتى صورة رجل ينزل سرواله ويعطى ظهره للآخرين، ويغرق بشلال بوله كل شىء، ثم يرحل معتقداً أنه لم يفعل شيئاً مشيناً فى حق الآخرين.
أقدر أن مفهوم «المسافات» تغير عن ستين عاماً مضت، وساهمت عدة عوامل خلاف العولمة فى تغييره، أهمها الأزمة الاقتصادية الطاحنة التى نتجت عن تطبيق الخطط الخمسية الفاشلة طوال ثلاثين عاماً هى فترة نظام مبارك، وأن الموظف فى القاهرة نتيجة كل هذا قد يعمل فى مدينة 6 أكتوبر ويسكن فى المرج أو العكس، ويتكبد طريقاً طويلاً ذهاباً وعودة، لكن طول الطريق وضغط مثانته ليسا سببين لأن يبحث عن مكان لا يراه فيه أحد ويتبول، ثم يتصرف شخص آخر بالطريقة نفسها، فى المكان نفسه، ليتحول بعد عدة مرات إلى «مبولة» رسمية.
كان المصرى القديم حريصاً على تسجيل براءته من التبول وتلويث مياه النيل على جدران مقبرته كى يصل إلى الفردوس، لست ممن يتغنى بالحضارات المندثرة، لكنى عادة أعتقد أن جذوة الحضارة تظل باقية فى الشعوب مهما حاق بها من انهيار، وعادة عند اجتيازه لا تبدأ من جديد، بل تنطلق من النقطة نفسها التى توقفت عندها قبل الانهيار، حتى إذا أصيبت الذاكرة الجمعية بعطب طارئ تظل مثل هذه التصرفات بمنأى عن العطب.
ثمة حلول كثيرة للقضاء على الظاهرة، استخدام البامبرز الرجالى ليس أبرزها، المراحيض العامة حل، وهو ليس حلاً مبتكراً، لقد انتشر بشكل راقٍ وحضارى فى فترة الأربعينات، فى الشوارع وبالقرب من الهيئات الحكومية، والمناطق الحيوية، والأسواق، وتخصيص عامل مهمته الإبقاء على النظافة دائمة.
إذا كان بناء المراحيض العامة ترفاً فى هذه المرحلة التى تمر بها مصر، وثمة أولويات تسبق هذه الخطوة؛ فعلى الأقل يصدر قانون بتجريم الفعل حتى يحين دورها، ليس من الصعوبة أن يتماسك الرجل حتى يجد مرحاضاً! تتماسك النساء أيضاً، أم أن قدرة تحمل المرأة -حتى فى هذا الأمر- تفوق الرجل