بعيداً عن الجدال حول طريقة تشكيل الحكومة الجديدة، وطبيعة الأشخاص الذين أُسندت إليهم الحقائب الوزارية، وهل هى حكومة ائتلافية أم تكنوقراط، لا بد أن نعرف ونعى أن المرحلة الحالية شديدة الخطورة والتعقيد، وكثيرة المشاكل المتراكمة التى خلّفها النظام البائد.
بل لن أكون مبالغاً حينما أقول إنه يوجد انهيار يحدث يومياً وينال من هيبة الدولة، بل إن البعض يحاول هدم الدولة بمهاجمة أركانها ومحاولة الإيقاع فيما بينها.
ومن ثمّ لا بد أن نتفق على أن الحكومة لكى تقوم بالدور المطلوب فلا بد أن تتجاوب مع رغبات الجماهير بأكبر قدر ممكن فى أقصر وقت وفى حدود الإمكانيات المتاحة، وهذا يلقى على الحكومة عبئاً كبيراً؛ لأن الشعب ينتظر منها الكثير والإمكانات محدودة.. والمطالب كثيرة، ولا بد أن تتسم الحكومة بالقدرة على اتخاذ القرار السليم فى الوقت المناسب. فإن صدر القرار سليماً وفى غير وقته يصبح بلا قيمة، ولا بد أن يزداد التجانس الفكرى فيما بين أعضائها لتتحقق وحدة الهدف، ووحدة القرار.
أما عن مهمة الحكومة فى الوقت الحالى، فيمكن بلورتها فى ثلاث قضايا أساسية: الأولى الأمن، فإنه بدون أمن لا يحدث تقدم ولا تتحقق تنمية، أما الثانية فهى: الاقتصاد.. والثالثة هى توفير مكونات الغذاء للمواطن.. أى الخبز والسكر والزيت وغيره.. وكذلك مستلزماته مثل البوتاجاز والبنزين والكهرباء والمياه النظيفة.
وإذا عدنا إلى الأمن، فلا بد من الاعتراف بوجود فجوة كبيرة نفسية على الأقل بين الشرطة وبين الشعب، ومن سيتولى الأمر فإن عليه حلّ هذه المعادلة، كما أن عليه إنفاذ القانون وسيادته. ولا بد من توفير السلع الغذائية، وضبط الأسعار، وضبط السوق الداخلية وأن تحكمه الاحتياجات الاجتماعية، وفى تقديرى يكون ذلك بالتوافق الاجتماعى، فلا تعرض الأسواق مثلا سلعاً لا يمكن أن يشتريها المواطن.
ومن هنا لا بد أن تكون الحكومة قوية.. وأتصور أنه لتحقيق ذلك يجب أن تكون هناك خطط على المدى القصير لتلبية الاحتياجات الحالية، وعلى المدى الطويل لوضع أسس انطلاق مصر بعد استكمال تشكيل المؤسسات الدستورية، ولا بد من الاهتمام بالإعلام المكتوب والمرئى، ولا بد أن يكون له دوره الواعى تعبيراً عن الحقيقة.. لكن بلا تهويل ودون الإساءة لسمعة مصر.
ومن ثمّ أدعو إلى وجود برنامج إعلامى جاد يتفاعل مع مراحل البناء والتنمية ومتطلباتهما، فمن خلال الإعلام يمكن أن يعى كل مواطن بحقوقه وكيفية الحصول عليها من خلال القنوات القضائية. وأن يعى بواجباته ودوره المطلوب فى عملية التنمية. وعلى الإعلام أيضاً أن يشارك فى قيادة عملية الإصلاح الاجتماعى والأخلاقى والدينى، كما عليه المشاركة فى مشروع محو الأمية. فالإعلام مُعلِّم الجماهير وله دور تثقيفى وتعليمى وتربوى وليس فقط دورا إعلاميا.
ويشمل البرنامج الإعلامى للتغيير والتنمية أيضاً حملة توعية للعاملين بالحكومة على جميع المستويات بأهداف التنمية ودور ومسئوليات المصالح الحكومية فى القيام بها، وما يتطلبه ذلك من رؤية جديدة لحقوق المواطنين والتعامل معهم طبقاً لمعايير جديدة لجودة أداء المصالح الحكومية.
ولا بد من الإسراع بوضع خطة لتطبيق العدالة الاجتماعية، فإن ما نعانى منه وما أسقط النظام السابق هو إهمال الفقراء، وعدم تقديم خدمات للأغلبية.. فلا بد من معالجة الأخطاء السابقة.. وتطبيق خطط إصلاحية.
مطلوب من الحكومة إذن التركيز على التنفيذ.. وحل مشاكل الجماهير، وهذا لن يتأتى إلا بوضع الخطط لإحداث التطور السريع المطلوب، وما يتطلب لذلك من إمكانيات بشرية ومادية ومعنوية، وتحديد الأهداف والجداول الزمنية ووضع الخبرات والمهارات المناسبة فى الأماكن المناسبة وتوزيع المهام وتعبئة الهمم لتنفيذ الإصلاح السياسى والاجتماعى ولمضاعفة الدخل القومى.
وتسهيل الإجراءات القانونية والإدارية وتبسيطها، وإنشاء مجمعات حكومية على مستوى المحافظات والمدن، وتفعيل دور المحافظات والمحليات سياسياً وإدارياً واقتصادياً.
هذا هو الدور المطلوب فى هذه المرحلة، وعلينا أن نعطى الحكومة حقها من الوقت لكى تقوم بعملها، مع مراقبة أدائها والمساهمة فى طرح الحلول المناسبة لمشاكلنا. وإذا أحسنت نقول لها أحسنتِ، وإذا أساءت علينا أن نقومها.