الإدارية العليا ترفض مطالبة حديد عز للدولة بـ23 مليون جنيه

كتب: محمد عيسى

الإدارية العليا ترفض مطالبة حديد عز للدولة بـ23 مليون جنيه

الإدارية العليا ترفض مطالبة حديد عز للدولة بـ23 مليون جنيه

قضت المحكمة الإدارية العليا الدائرة الثالثة، موضوع برئاسة المستشار يحيى خضري نوبي نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية المستشارين أحمد منصور وناصر رضا عبدالقادر ونجم الدين عبد العظيم والدكتور محمد عبدالوهاب خفاجي نواب رئيس مجلس الدولة، برفض الطعن المقام من شركة "عز الدخيلة للصلب بالاسكندرية" ضد الحكومة لمطالبتها بمبلغ 23 مليون جنيه وفوائدهم.

وأكدت فيه على أن الشركة قامت بتطوير وتعديل الأجزاء الكهربائية للأوناش دون موافقة الحكومة المصرية وبتكاليف باهظة، ما أخل بموازنة هيئة ميناء الإسكندرية.

ووضعت المحكمة مبدأ عاماً مقتضاه، أنه إذا فرطت الجهات الإدارية في مقتضيات المصلحة العامة المملوكة للشعب وأهدرتها فالعدالة توجب بطلان عقد الترخيص برمته.

وقالت شركة عز الدخيلة للصلب في دعواها، أنها عندما استشعرت وجوب تحسين أداء الونشين العملاقين "جانترى كرين"، ما يدخل في نطاق العمرات العمومية والإحلال الرأسمالي لهما، قامت بمخاطبة الهيئة العامة لميناء الإسكندرية، وقد أصدر رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لميناء الإسكندرية، قراره لدراسة تحسين أداء الأوناش، كما أصدر قراره بتشكيل لجنة لحصر أعمال الإحلال والتجديد التي تمت بمعرفة الشركة بتقدير القيمة الإجمالية لها، وأنه ليس تعديلاً بل يدخل في نطاق العمرات العمومية والإحلال الرأسمالي لهما والذي تتحمل الحكومة المصروفات الناشئة عنه.

بينما ذكرت الحكومة، أن ما قامت به الشركة عبارة عن تعديلات تستوجب موافقة كتابية من هيئة الميناء، وهو مالم يحدث وتتحمله الشركة.

وقالت المحكمة في حيثياتها، أنه بمناسبة حاجة الهيئة العامة لميناء الإسكندرية إلى تشغيل وصيانة المعدات الموجودة برصيف الخامات التعدينية بميناء الدخيلة وساحات التشوين، ورغبة منها في الانتفاع بها في مجال تداول الخامات التعدينية وشغل الساحات المخصصة لتشوين الخامات المذكورة، أبرمت مع الشركة الطاعنة عقداً رخصت لها بمقتضاه بهذه الأنشطة وفقاً لأحكام وضوابط نص عليها، على أن تكون مدة الترخيص خمس سنوات قابلة للتجديد لمدد أخرى مماثلة باتفاق الطرفين، وإن المبلغ محل المطالبة موضوع الطعن الراهن ومقداره  22 مليون و918 الف و295 جنيها، هو حصيلة مجموع شقين من المبالغ المالية، أولهما، مبلغاً مقداره 12 مليون و320 ألف و934 جنيها، قيمة ما أنفقته الشركة لتطوير الأوناش " الجانتري"، وثانيهما مبلغاً مقداره 10 مليون و597 ألف و361 جنيها، وهو قيمة قطع الغيار الرأسمالية التي تم توريدها وتركيبها بمعرفة الشركة، والأمر يقتضي فحص حقوق والتزامات الطرفين من خلال استجلاء ما أتفقا عليه وصولاً الاستظهار مدى أحقية الشركة في هذه المطالبة.

 وأشارت المحكمة، إلى أن الشركة حينما شرعت في القيام بأعمال التطوير لم تتحصل على موافقة كتابية من الهيئة العامة لميناء الإسكندرية، وهذا التطوير الذي تم على الأوناش من شأنه أن يعلي من كفاءتها ويزيد من درجات الأمان بها وقد أنصب على الأجزاء الكهربائية للأوناش المذكورة، وبالتالي فإن حال هذه الأوناش بعد التطوير قد اختلف عن حالها قبله أي أن هذا التطوير نتج عنه تغيير في الأوناش على نحو أولى أو أفضل، ومن ثم فإن التغيير الذي نال من الأوناش ينطوي بلا جدال عن تعديل لها وفقاً للمفهوم السالف بيانه فتغيير الأجزاء الكهربائية للأوناش على النحو الذي يستقيم، بلا ريب، تعديلاً لها في حكم المادة (9) من الترخيص، ومن ثم فإنه بصرف النظر عن كون هذا التعديل كان ضرورياً أو إنه ساهم في رفع مستواها التشغيلي فقد أجرته الشركة مجرداً من أي موافقة كتابية من الهيئة تتحمله هي.

وأضافت المحكمة، أن صنف العقد محل الطعن يجسد في حقيقة الأمر والواقع خطط الدولة نحو ترسيخ دعوة القطاع الخاص للمشاركة في تشييد دعائم الخطط التنموية كبادرة لتعزيز دوره في هذا المجال ليكون لبنة في جدار التنمية الصناعية والتجارية استطعاماً الأمل ليكون أحد أدواتها نحو التقدم والنماء، والعقد بهذه الكيفية يسير على درب تتضافر فيه مصالح الطرفين على نحو يتولد عنه فائدة منصفة لهما على السواء ومنفعة تغمرهما إذ يثمر التعاقد عن أثراء عادل للشركة المرخص لها بالانتفاع، وفي الوقت ذاته يستقيم موطئاً للجهة الإدارية لتحقيق مآربها في التنمية وباباً لها نحو الحداثة من خلال الاستعانة بمعونة الشركة في إدارة أملاكها ومن ثم الاستفادة من خبرات القطاع الخاص في هذا المضمار في مناخ تمارس فيه أساليب وطرائق الإدارة الخاصة المتحررة من ربقة القيود الحكومية والإجراءات الإدارية "الروتينية"، فتسير ممارسة النشاط موضوع التعاقد على نحو متوازن يحفظ مصالح الجهة الإدارية ويسمو بها إلى آفاق التنمية.

واستطردت المحكمة في حيثيات حكمها، بيد إنه ولكون الترخيص بالانتفاع بأملاك الدولة على هذا النحو قد شيدت دعائمه وأُقيمت أركانه في الأصل لخدمة الصالح العام وليس للتهوين منه فإنه يجد حده الطبيعي في ألا تفضي نصوصه وضوابطه إلى وقوعه في غياهب سوء غرض المتعاقد ومن يواليه بأن تتخذ أحكامه من دون المصلحة العامة نداً فتفرط بنوده في مصلحة المرفق العام لحساب مصلحة المرخص له فيكون عقد الترخيص عبئاً على المرفق مرهقاً له يعوق أدائه ويحبط مخططاته فينقلب الترخيص على عقبيه مبدداً للآمال المعقودة عليه على نحو يخرجه عن غاياته المقررة له.

ومن ثم كان لزاماً على نصوصه أن تعكس الحرص على هذه المسألة وتعقب مواطنها وإعمال مقتضاها بلا أفراط أو تفريط.

وذكرت المحكمة أن الجهات الإدارية حال التعرض لنصوص الترخيص بالانتفاع بالمال العام بالصياغة والأعداد يتوجب عليها التفحص والدراسة وأن تضع نصب عينيها إجراء موازنة دقيقة للضمانات المتعين توافرها في هذا الأمر حتى لا تنفلت نصوصه فتحيد عن مقتضيات المصلحة العامة وتنجرف بعيداً عنها بل ينبغي توخي مبتغاها وتحقيق مرادها، وهذا الأمر يجد مغزاه في الفلسفة القائمة عليها المصلحة العامة في الترخيص ذلك إن عقود الترخيص بالتزام بمرفق عام تنصب في أغلب الأحيان على مرافق حيوية للدولة تمثل أحد دعائم أصولها التجارية الأساسية وعماد ثرواتها الرأسمالية، وإذا كانت الجهات الإدارية مقدراً لها أن تكون في موقف الحارس على المصلحة العامة الساهر على تحقيق مستلزماتها فتدير مرافقها الحيوية بالتلازم مع هذا الدور المقرر لها دستورياً إلا إنها في حقيقة الأمر والواقع ليست مالكة للمصلحة العامة إنما الشعب وحده هو المالك الحقيقي لها بمعنى إن الجهات الإدارية تقف حيال هذا الأمر برمته في موقف الأمين على المصلحة العامة فتعصمها من عبث العابثين وتنأى بها من تفريط المفرطين بالذود دفاعاً عنها كأمانة مستودعه لديها تحفظ بها مقدرات الشعب وثرواته ومرافقه الحيوية.

واستطردت المحكمة، أنه إذا كان عقد الترخيص بالانتفاع بالمال العام يرتبط بلا جدال بمقدرات الشعب ارتباطاً عميقاً لكونه ينصب في الأصل على هذه المقدرات ويستحوذ عليها مستأثراً بها لفترة محددة وفقاً لبنود وأحكام هذا العقد، فمن ثم فإن فرطت الجهات الإدارية في مقتضيات هذه الأمانة التي هي وجه أصيل للمصلحة العامة المملوكة للشعب وأخلت بموجباتها من خلال ارتضائها بنصوص في عقد الترخيص ضلت السبيل وشحطت شحوطاً استحالت به اهداراً جسيماً لمصلحة المرفق وسلباً لمقوماته وغمطاً بيناً لحقوق الأفراد ومقدراته فخرجت عن أطار الحق مستبيحة ذلك لمصلحة المرخص له الخاصة فتصدع بها بنيان المصلحة العامة تصدعاً جماً، فلا مشاحة والحالة هذه من شخذ همة العدالة صوب مصير حتمي لا مفر منه حاصله بطلان عقد الترخيص برمته حتى ولو برزت شروطاً تعاقدية أخرى جاء الترخيص محمولاً على أكتافها تزكي هذا الخلل، ولا يكون للمرخص له إزاء ذلك من سبيل سوى قرع أبواب التعويض إن كان لذلك موجباً.

وذكرت المحكمة، أن الثابت من مذكرة رئيس الإدارة المركزية للشئون المالية والتجارية بالهيئة تعرضت لمسألة قطع الغيار الرأسمالية التي تطالب الشركة الهيئة بقيمتها وخلصت إلى أن قطع الغيار التي تطالب الشركة بقيمتها على هذا النحو ليست من قبيل الإحلال الرأسمالي للعمرات الرأسمالية اللازمة والمنصوص عليها في المادة (7) من العقد موضوع التداعي، إنما هي إحلال رأسمالي لزيادة الطاقة الإنتاجية للمعدة (للونش) بأعلى ما هو عليه، وإن ما قامت به الشركة على هذا الوجه كان تعديل لطاقة وقدرة المعدة بتكاليف باهظة دون موافقة من الهيئة وهو الأمر الذي يخل بموازنة الهيئة وحساباتها دون مبرر أو عائد يعود عليها، ومن ثم خلصت المذكرة إلى أن هذه العملية أدت إلى ركود قطع الغيار الموجودة أصلاً بمخازن الهيئة ولا يمكن التصرف فيها، ومن ثم فإن قطع الغيار الرأسمالية المذكورة محل المطالبة لا تدخل في عموم العمرات التي تلتزم بها الهيئة لكونها لا تتوافق مع مفهوم العمرات الذي أقرت به الشركة فهي لا تؤدي إلى إرجاع المعدة إلى حالتها الأصلية أو شبه الأصلية، إنما يترتب عليها تطويرها على نحو يؤدي إلى زيادة طاقتها الإنتاجية على نحو غير مألوف يربو عن طاقتها وقت كانت فيه جديدة كما إنها لا تستقيم كذلك من قبيل الإحلال الرأسمالي الذي تلتزم به أيضاً الهيئة بحسبان إن العلة من تركيبها لم يكن بسبب انتهاء العمر الافتراضي للأجزاء القديمة بل كان مرده الرغبة في زيادة الطاقة الإنتاجية للأوناش وبالتالي فإن المبلغ الذي تطالب به الشركة ومقداره  23 مليون جنيه قيمة ما أنفقته لتطوير الأوناش التي تدعى " الجانتري" وقيمة قطع الغيار الرأسمالية، تلتزم به هذه الأخيرة وحدها دون مشاركة أو تحميل للحكومة المصرية ودون حاجة لبحث طلب الفوائد القانونية لعدم الجدوى.

واختتمت المحكمة حكمها المهم، أنه لا يجدي الشركة نفعاً التلويح بما انتهى إليه تقرير لجنة الخبراء الصادر بناءً على الحكم التمهيدي المشار إليه، ذلك إن المستقر عليه في هذا الصدد إنه من إطلاقات المحكمة الالتجاء إلى أهل الخبرة كأجراء من إجراءات الأثبات لاستجلاء الأمور والمسائل الي تصادفها حال نظر طلبات الخصوم وإنه بإيداع الخبير لتقريره ملف النزاع، فللمحكمة الحق الأصيل في التقدير الموضوعي لسائر ما تضمنه التقرير من مسائل ونتائج فلا تأخذ التقرير على علاته إنما عليها تفحص ما جاء به من نتائج وتمحيصها لاستظهار مدى مطابقتها للواقع والقانون بما ينتج عنه الأخذ بالتقرير كله أو جزء منه أو طرحه برمته وعدم التعويل على ما انتهى إليه من نتيجة بحسبان المحكمة هي الخبير الأعلى في النزاع المعروض عليها وفقاً لما تراه حقاً وعدلاً، وعليه وإذ يبين من مطالعة تقرير الخبراء المذكور إنه لم يحظ بأسباب فنية تظاهره فجاءت نتائجه عقيمة الدليل مجردة من مبررات علمية تساندها، فلجنة الخبراء المكلفة - بموجب الحكم التمهيدي - بحكم تكوينها من أساتذة متخصصين في هذا المجال من جامعة مصرية عريقة كان الأجدر بها استظهار الاسباب العلمية والفنية التي ترتكن إليها فيما خلصت إليه من رأي وما ساقته من نتائج، إلا إن الحال سار على خلاف ذلك، فعكفت اللجنة على إبراز رأيها دون تدعيمه بأسس علمية تشيده عليها وتحمله حملاً فألقت بتقريرها خاوياً من الاسباب الفنية مفتقراً لمبررات علمية واضحة مشوباً بالقصور في التسبيب، وغاية ما أنطوى عليه التقرير مجرد سرد للوقائع والأحداث المتعلقة بهذا الموضوع وأتبع ذلك بملاحظات على هذه الوقائع ثم قفز إلى النتائج قفزاً دون المرور على أسانيد علمية تعززها وأدلة تشفع لها ودون تفسير فني يظاهرها على نحو يجافي الأسس الفنية المقررة لهذا الصنف من التقارير وعلى إثر ذلك ينساب الشك وعدم اليقين فيصب في وجدان المحكمة ليصل إلى قدر لا تعتبر معه التقرير الراهن من قبيل التقارير الفنية المعتبرة القائمة على أسس علمية إنما هو محض رأي لا يلزم المحكمة فتطرحه جانباً ولا تعول عليه.  


مواضيع متعلقة