إلى صديقي الذي لا أعرفه.. هو صحيح الهوى غلاب؟!

بلقاء قصير يمر بهدوء وسلام نلتقي مجدداً يا صديق، وها نحن ذا نعود مرة أخرى.. فتحية وسلاماً.

أما بعد..

هو صحيح الهوى غلاب؟ سؤال يحتل تفكيري تلك الفترة، سؤال يأخذ معه الكثير من الوقت الذي لا أملك رفاهية تبديده الآن؛ لإنشغالي بأمور عدة تلك الفترة من حياتي، ولشخصية كثيرة التفكير والاهتمام بأصغر وأدق التفاصيل مثلي .. فهذا شئ مرهق جداً.. فأحاول أن أزيحه من عقلي.. فيحتلني أكثر.

دعني أشركك بما يدور بعقلي.. جاء هذا السؤال بداية محفوراً على خاتم أهدتني إياه شقيقتي قبيل عيد مولدي بيوم، كنت أنا وهي وشقيقتي الصغرى  نختار بين الخواتم المعروضة بالمكان، اختارت كل منهن خاتماً لها، ووقفت أنا أمام هذا الخاتم ليُعلنا في صوت واحد" دا شبهك أوي، دا إنتي"، هل لذلك دلالة؟، كانت هناك إجابة في ذهني على ذلك، فارتبط الأمر بداخلي في  وقوعي أمام الحيرة الدائمة، والسعي وراء الوصول للإجابات عما أعيشه يومياً، وما يُعرض عليّ من تجارب وأسئلة، سواء كانت تخصني  أو ممن يحيطون بي.

كانت إجابته جلية أمامي، وتفوهت بها بصوت مسموع وبضحكة بلهاء" معرفش أنا"، وبنفس حيرة صوت أم كلثوم، نصل لنفس النقطة، نعم إنها هي، الحيرة يا صديق، تلك التي احتلت مكاناً كبيراً ليس في حياتي فقط، ولكن بحياة آخرين كُثر ممن حولي، ربما  هي سمة جيلنا الحالي، جيل يقع ضحية الحيرة، بين ما يريده، وما يُطلَب منه، وما يمكنه فعله، وما يحلُم به، وما أحبه بصدق، وعما فقده وعن أسباب فقده، وما لم يأتي في الحسبان ووجد نفسه هائماً به وفيه، وما يفرضه عليه الأخرون، فيجد نفسه مقيداً بين كل ذلك في نفس الوقت وبنفس القوة.

هو صحيح الهوى غلاب؟! كان ضمن الجمل المخطوطة بيدي على ورقة بيضاء ليلة عيد مولدي، طلبت مني صديقتي حينها أن أكتب خطة لعامي الجديد، فبدا هو كسؤال وجودي لن نجد له إجابة واضحة، مثله مثل العديد مما يدور بداخلنا، فتحولت أغلب ال 27 نقطة التالية والتي تضمنتها خطتي الجديدة، لتساؤلات وجودية أكثر من كونها قائمة أمنيات، فبدا الأمر مضحكاً حينها أكثر.

 هو صحيح الهوى غلاب؟

لكل فرصة جائتنا ولم نلحظها، ولكل فرصة رآها غيرنا فرصة لنا ومضت ولن تَعُد، ولكل فرصة لم نمسك بها، ولكل فرصة لم نسعى إليها، ولكل فرصة لم نبذل في سبيلها جهداً كافياً، ولكل وعد قطعناه على أنفسنا ولم نقدر على تنفيذه، وجِب الإعتذار، ولكن دون أسف، فقد غلب هوانا.

إلى كل الأشخاص الجيدين بما يكفي، ولكل من رؤونا ولم نراهم، ولكل من أحبنا بصدق، ولكل من أخلص إلينا وبذل الجهد الكافي من أجل إسعادنا، ولكل من يحاول، ولكننا لم نلحظهم، أو لم نحبهم بقدر ما يستحقون، ولكل من فقد الأمل بنا وفينا، نحن مدينون لكم، ووجب الإعتذار.. فقد غلب هوانا.

لكل ما رفضناه سابقاً، ونختاره الآن بكل أريحية وطيب خاطر، لكل من نبذل من أجلهم ما لم نتوقع أن نعطيه، ولكل ما نحاول من أجله ونعافر ونفقد رفاهيتنا وراحتنا من أجله، لكل محاولاتنا من ألا نُفلت بأيديهم ونُحكِّم عقولنا، ولكل من نراهم ولم يرونا.. فقد غلب هوانا.

الآن أعرف الإجابة.. نعم، الهوى غلاب، يغلب على تفكير ندرك تماماً صحته وعقلانيته، ندرك أنه الأنسب، ندرك أنه الأجدر باتباعه، يغلب هوانا من أجل أن نبقى يا صديقي، يغلب هوانا من أجل مزيد من الهروب من واقع فرض قيوده وأخباره السيئة الحزينة والمشوهة لقدرتنا على تحمل الحياة، نهرب من أجل البقاء، نعم، نمارسه باحتراف وبدقة عالية، حتى لا نموت ألف مرة، فلا تعتبر ذلك ضعفاً، فالأمر ليس سهلاً، خاصة إن كنا لسنا على هواهم.

ربما كل ما نحتاجه لجعل الأمر مريحاً لكاهلنا، أن يرانا العالم الذي نراه، أن يهوانا بقدر ما نهواه، ألا نقع تحت وطأة ثقله أكثر من ذلك مرددين بشكل متزايد "معرفش أنا".