رئيس التحرير

محمود مسلم

عادات قبائل قنا قديماً وحديثاً: الزواج حسب شرع القبيلة.. والثأر إما «دية» أو «من قتل يُقتل».. وطعام للمشايخ والأقارب فى العزاء

09:54 ص | الخميس 10 مايو 2018
الرقص بالحصان من أهم مظاهر الاحتفال فى الأفراح بقنا

الرقص بالحصان من أهم مظاهر الاحتفال فى الأفراح بقنا

يعتز أبناء محافظة قنا بأصولهم القبلية، كما أنهم ما زالوا يحتفظون بعادات وتقاليد جرت العادة عليها كلما جاءت مناسبة زواج أو تقبُّل عزاء أو حتى «أخذ بالثأر»، فكل قبيلة تحتفظ بطقوس معينة تميزها عن الأخرى توارثتها منذ وطئت أقدامها أرض جنوب مصر، ورغم خروج البعض منهم من عباءة التقاليد إلا أنهم يعتبرون أن «لكل قاعدة شواذ».

وقنا، مثل محافظات الصعيد، يغلب عليها التركيبة السكانية القبلية، منها قبائل «العرب، الأشراف، الهوارة، الأمارة»، وغيرها من العائلات العريقة المتمركزة فى جميع مراكز وقرى ونجوع المحافظة، حيث تمتلك هذه القبائل دساتير وقوانين وأعرافاً مختلفة من عادات وتقاليد تشكل حياة أبنائها فى أمور كثيرة، كما أنها تلعب دوراً كبيراً فى تحديد ماهية الكثير من الأشياء، مثل تقبل العزاء فى وفاة الرجل أو السيدة، وفى المصالحات الثأرية وغيرها.

وترصد «الوطن» أوجه الاختلاف بين العادات والتقاليد فى الماضى والحاضر بين القبائل المختلفة التى تسكن المحافظة منذ مئات السنين فى الزواج والعزاء والثأر.

«الأشراف» يحظرون زواج بناتهم من خارج رجال القبيلة حفاظاً على نسبهم.. ويتركون للشبان حرية الاختيار

الزواج

هناك بيت شعر شعبى تطبّقه القبائل فى محافظة قنا بحذافيره، وهو «أبناؤنا أبناء بنينا.. وأبناء بناتنا أبناء الأباعد»، فما زالت العادات والتقاليد تتحكم فى كثير من تصرفات ابن القبيلة، ومنها اختيار شريكة حياته، كما أن فتاة القبيلة عليها أن تقبل بذلك شاءت أم أبت.

ويقول صديق الهمامى، ابن قبيلة «الهمامية»، أحد فروع «الهوارة» فى قنا، إنه «يُعرض على الرجل منا بنت عمه التى جاء دورها وتقدم لها شخص للزواج منها، كما تُعرض عليه مواصفاتها إذا قبل بها فعلى الفتاة القبول بابن عمها لأنه أقرب من تقدم لها من العرسان، ولا بد أن ترضخ لقرار الأسرة ولا تراجعهم فيه، وفى حالة المخالفة تُمارَس ضغوط اجتماعية على الأسرة على المدى البعيد وتُعزل اجتماعياً».

وأضاف «الهمامى» أن «المستوى الاجتماعى والمادى قد يكون عائقاً داخل القبيلة، فمثلاً أبناء الطبقة الدنيا اجتماعياً ومادياً من القبيلة لا يمكنهم اختيار فتاة من طبقة متوسطة أو من أسرة يتقلد رجالها مناصب عليا وذوى أملاك، لأن هذه منظومة اجتماعية صارمة، وما يحدث من حالات ارتباط أبناء طبقة فقيرة بفتاة أسرتها ثرية يكون الرجل إما ذا علم أو منصب قيادى».

وأشار «الهمامى» إلى أن «الحالات النادرة من الفتيات اللاتى خرجن وتزوجن خارج أبناء العمومة أو القبيلة هى حالات فردية تحمل فى طياتها غضباً عارماً ويُعتبر هذا جرماً كبيراً يخل بتقاليد القبيلة ويُنظر للفتاة وأبنائها نظرة متدنية».

أما قبائل العرب، حسبما يقول أحمد جاد، أحد أبناء محافظة قنا وينتمى لقبيلة العرب، فهى «أكثر انفتاحاً فى أمور الزواج»، والبنت عندهم يمكنها أن تتزوج حسب اختيارها، غير أن الشاب ابن القبيلة لا يمكنه الزواج من فتاة «هوارية» مثلاً إلا إذا كان صاحب منصب أو جاه.

وأضاف «جاد» أنه فى حال الموافقة تكون هناك طقوس معينة، حيث يقيم العريس الفرح غالباً فى «المضيفة» الخاصة بالعائلة، ويجمع «النقطة» من الحاضرين، وهى عبارة عن نقود أو حتى سكر وشاى، كما تجمع والدة العريس أو العروسة «نقطتها» الخاصة بها من السيدات المهنئات على مدار أسبوع.

من جهته، يقول محمد سيد، أحد أفراد قبيلة «الأمارة» المنتشرة فى دندرة بمراكز قنا وقفط والأقصر، إنه «فى عقود الزواج الجديدة، اختلفت الأمور فى الوقت الحالى عن الماضى، وبات الناس أكثر انفتاحاً عن الماضى، فكانت الفتاة لا تتزوج إلا ابن قبيلتها والرجل عليه الزواج من ابنة عمه أو عمته أو أقربائه أو بنت قبيلته فقط، ولكن ما يحدث حالياً نتيجة التقدم والتطور والحداثة وزيادة نسبة التعليم كان له أثر كبير على الناس، حيث أصبح (كل واحد حر فى اختياره)».

أما الزواج عند قبيلة الأشراف فى محافظة قنا التى تمثل نسبة ليست بقليلة من سكان المحافظة، فله طابع خاص، حيث إنهم يعتبرون أن زواج الفتاة من ابن القبيلة «واجب قبلى» للحفاظ على نسبهم الذى يعود لأحفاد النبى عليه الصلاة والسلام، ويقول هشام قدوس، أحد أبناء القبيلة، إن «الأزمة تنحصر فى الفتاة التى تُعتبر مصدر إزعاج لأسرتها حال خروجها عن عباءة العادات والتقاليد، ولكن الرجل من الأشراف فله حرية الاختيار من أى قبيلة أخرى كما يشاء».

وأشار «سيد» إلى أن الأسرة التى تسمح بزواج ابنتها من شخص غير مرغوب فيه عليها أن تتحمل الضغوط القبلية من حيث عزلها اجتماعياً، أما أفراد قبيلة «الأشراف» الذين خرجوا من القرى وتعايشوا فى محافظات الوجه البحرى فلا يتقيدون بذلك الإرث، فهم يتكيفون على عادات وتقاليد الأماكن التى يسكنونها، إلا القليل منهم يتمسك حفاظاً على النسب.

ولفت «سيد» إلى أن أبناء القبيلة يمارسون نفس طقوس القبيلة من حيث حفل الزواج وخلافه، ففى قرى «الأشراف» ينظم الأهالى حفلاً يتخلله تقديم ولائم لحوم، فيما تقبل العروسة «النقطة» على شكل مبلغ من المال من الأقارب خلال التهنئة بعرسها أو بعد ليلة الزفاف.

العزاء

اختلفت طقوس العزاء على مدار الـ50 عاماً الماضية، كما أنها تختلف باختلاف الشخص المتوفى سواء كان رجلاً أو سيدة، وهو أمر يختلف من قبيلة إلى أخرى، من حيث عدد أيام العزاء التى تختلف حسب الأحوال والعادات والتقاليد.

وعند قبيلة «الأمارة» كان واجب العزاء قديماً 5 أيام للمتوفى والمتوفاة من أبناء القبيلة، وكان الرجال يلبسون الجلباب الأبيض، والسيدات يرتدين لباسهن الأسود المعروف، وكانت السيدات يتقبلن العزاء فيما بينهن من أبناء القبيلة على مدار 7 أيام.

غير أن هذا التقليد اختلف تماماً، وأصبح العزاء يوماً واحداً، سواء للرجل أو السيدة المتوفاة، وهو يقام فى مضيفة عائلة المتوفى، وأثناء أداء هذا الواجب تخرج «صوانى الأكل» فى الظهيرة وفى صلاة المغرب أو بعد الأذان، كما تقدم المشروبات للحضور من شاى وقهوة وماء، وأثناء تلاوة القرآن الكريم يكون السرادق أو المضيفة فى حالة سكون ليس كما تفعل بعض القبائل الأخرى بأن يلقى صاحب الواجب والأقارب جملة على المعزين «شكر الله سعيكم» ليردوا بمقولة «غفر الله ذنبكم».

أما عند قبيلة الهمامية الهوارية، حسب «صديق الهمامى» فإن عدد أيام العزاء بالنسبة للرجال والسيدات المتوفين كان 5 أيام فى الماضى، وأصبح الآن 3 أيام، ويتم استقبال المعزين وسماع تلاوة القرآن، ويلقى الأفراد على المعزين جملة «شكر الله سعيكم»، كما أنه فى الذكرى الخامسة عشرة وذكرى الأربعين يُقرأ القرآن كاملاً ويتم تقديم الطعام للمشايخ والأقارب.

وأما فى قبيلة البلابيش الهوارية، فيقول جمال على، أحد أبناء القبيلة، إن «واجب العزاء يختلف عندنا، الرجل 3 أيام، والسيدة يوم واحد، وكان قديماً الرجل 7 أيام والسيدة 3 أيام تنقص يومين، أما واجب السيدات فى منزل المتوفى أو المتوفاة 7 أيام».

وتتشابه مراسم العزاء لدى قبائل العرب فى المحافظة، كما يقول كامل عبداللطيف، أحد أبناء القبيلة، فالرجل المتوفى كانت أسرته تقبل العزاء 7 أيام والمتوفاة 5 أيام يخرج خلالها أهل المتوفى بصوانى الطعام إلى السرادق، ، وأصبحت اليوم 3 أيام لكل من الرجال والنساء.

أما عن مراسم العزاء عند قبيلة الأشراف فيقول هشام قدوس، أحد أبناء القبيلة، إن «العزاء منذ قديم الأزل للرجل المتوفى والسيدة المتوفاة 3 أيام لم تتغير، بعد تشييع الجثمان إلى المقابر، ويقام العزاء داخل المضايف أو ما يطلق عليه «المندرة» ويتم الاستعانة بمقرئ لتلاوة القرآن للحاضرين «المعزين»، ويقدم مشروب الشاى أو الينسون أو القهوة حسب الطلب».

حوادث الثأر عند قبيلة الهوارة وفروعها المنتشرة فى المحافظة يتم التصالح فيها عادة عن طريق تلقّى «القودة»

الثأر

ظاهرة الثأر ليست قاصرة على قبيلة بعينها، وإنما تشمل كافة أطياف المجتمع القنائى، ولكن طريقة التصالح والتسامح تختلف من قبيلة إلى أخرى.

ففى قبيلة الأشراف يؤكد «قدوس» أن القبيلة لا يوجد بين أبنائها ثأر فى الوقت الحالى، وجميع الخلافات يتم تداركها بشكل سريع، وأن كبار العائلات يحرصون على وأد الفتنة، وفى حالة وقوع قتيل تتم مصالحات عرفية كما يحدث فى القبائل الأخرى فى المحافظة.

وأضاف «قدوس» أنه يتم التصالح بين الطرفين المتخاصمين فى جلسة تقتصر فى الغالب على أبناء القبيلة، والقضية تأخذ مجراها فى المحاكم، وكل مخطئ يأخذ جزاءه عن مثل هذه الجرائم، منوهاً إلى أن القبيلة لا تعرف عادة «تقديم الكفن» فيما بينها، أما مع القبائل الأخرى فتتم المصالحات.

وحوادث الثأر عند قبيلة الهوارة وفروعها المنتشرة فى المحافظة يتم التصالح فيها عادة عن طريق تلقّى «القودة» أو يجرى الأخذ بالثأر على اعتبار أن من قتل يُقتل، وفى حالة التساوى فى عدد القتلى يتم التصالح.

ودائماً ما يتم التصالح بين تلك بين القبائل عموماً عن طريق تدخل كبار العائلة أو القبيلة، ويقام الصلح فى سرادق على قطعة أرض عن طريق «القودة» وسط جموع غفيرة من المواطنين.

ويقول الدكتور السيد عوض، رئيس قسم علم الاجتماع والجريمة فى كلية الآداب جامعة جنوب الوادى سابقاً، إن «من ضمن العادات والتقاليد المعروفة فى الصعيد عادة الأخذ بالثأر، غير أنه لا ثأر لرجل قُتل أثناء السرقة، ولا ثأر لمن انتهك حرمات المنازل، أو من قُتل بطريق الخطأ، كما أن كل من يُقتل لا بد من الأخذ بثأره، وإلا كان ذلك عاراً على جبين العائلة على مرّ الأيام، لأن الاعتداء على حياة فرد هو اعتداء على جميع أفراد القبيلة التى ينتمى إليها ذلك الفرد».

عرض التعليقات