بكاء.. على اللَّبَنِ غَيْرِ المَسْكُوبِ!
- أبو العلا
- أحمد خالد توفيق
- أديب نوبل
- أنيس منصور
- الحضارة العربية
- الحياة اللندنية
- الدكتور محمد
- الرئيس أوباما
- الصحافة العالمية
- آفاق
- محمد حسين أبو العلا
- أبو العلا
- أحمد خالد توفيق
- أديب نوبل
- أنيس منصور
- الحضارة العربية
- الحياة اللندنية
- الدكتور محمد
- الرئيس أوباما
- الصحافة العالمية
- آفاق
- محمد حسين أبو العلا
"إن رهانات المستقبل لا يمكن تَعْلِيقُهَا على مُجَازَفَاتٍ ظرفيةٍ، إنما يتوقف نجاحُها واجتيازها على ترسيخ آليةِ الفكر الرَّصِينِ الذي يتحرك في ما بين الثابت والمتغيِّر، ولا يسمح للعقلِ أن يكون طَيِّعًا مُسْتَأْنَسًا؛ ليستطيعَ أن يَفُضَّ اشتباكات الواقع وعَثَرَاتِهِ، ويَحْسِمَ الخيارات، ويرجئَ ما يستوجب، ويدركَ أن للحقيقةِ قَبْلًا، ولكن ليس لها بَعْد ولن يَكُونَ.. إلا إذا أصبحتْ جمهوريةُ الكلماتِ هي نظرية كل شيء!"
د/ محمد حسين أبو العلا
كثير من الدموع غالبتنا فصرعتنا وفاضت بها أعينُنا عقب رحيل المفكر الكبير والأديب الذي لن تنقضي ذكراه الدكتور/ أحمد خالد توفيق... أحْسَسْنَا أنه قد بَاغَتَنَا بموتِه وأخذنا على غِرَّةِ من حيث لا ندري ولا نحتسب، مع أن نهاية كل حي أمر مكتوب... وقتها فقط فهمنا معنى البكاء على اللبن المسكوب... وتمنى كل منا لو أنه قد أطال مرات بقائه معه أو زاد في حديثه معه دقائق أو لم يكسل عن الذهاب إليه في داره على بُعده... ولكن الشاعر التراثي اختصر الأمر في قوله:
ليت... وهل ينفع شيئًا ليت؟؟؟
وبعدما أفقت من الصدمة... إن كنتُ أفقتُ حقًّا... وجدت أن مصر عامرة بأولئك الذين يجب ألاَّ نفوت فرصة وجودهم بيننا بحال من الأحوال... وألاَّ ننتظر أي شيء معهم لنبكي على اللبن المسكوب بعد انسكابه... إذ ماذا سيفيد البكاء عليه وقد انسكب؟؟؟ ألا يمكن أن يكون انسكاب بعض اللبن فرصةً لننتبه إلى خيرات عدة لم تنسكب بعد وما زال بأيدينا ألا نسكبها ونهدرها؟
الدكتور محمد حسين أبو العلا... أحد أولئك الذين يجب ألاَّ نهدر قيمة وجوده معنا بينما العالم بأكمله –دون أدنى مبالغة كما سيتجلى في حينه- يحترمه ويقدره ويعلم قيمته وينتظر آراءه في قضايا مصيرية لتكون محددا لما ستؤول إليه الأمور..
هل أنت جاد في قولك ولا تمزح؟؟؟ هل هناك شخص كذلك بالفعل ولا نسمع عنه ولا نعلم عنه شيئًا؟
نعم... فالمثل قديم كذلك: "ويل لمن سبق عقلُه عصرَه"..
في الوقت الذي كان كبار الصحفيين يحلمون بظهور اسمهم على صفحات الحياة اللندنية –أقوى الصحف العربية ذات المكانة بين الصحافة العالمية- كان هو أحد كتابها الدائمين... إلى جوار مثقفين من قامة أدونيس وغيره من كبار العقول النجيبة التي جادت بها الحضارة العربية على الفكر العالمي..
قام بعمل عشرات الحوارات مع شخصيات لا يمكن تخيُّل أن شخصًا واحدًا فحسب استطاع الالتقاء بهم وبجهد شخصي خالص... فمن مصر نجد فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة زكي نجيب محمود... والأستاذ الدكتور رشدي فكَّار... وأديب نوبل العظيم نجيب محفوظ... وتوفيق بك الحكيم... والموسوعي ثروت أباظة... والأستاذ محمود أمين العالم... وأنيس منصور... ومحمد حسنين هيكل... ومن الأسماء العالمية نجد: روجيه جارودي أو فلنقل كما كان يحب أن ينادى: "رجاء جارودي"... والمستشرقة الكبيرة زيجريد هونكة... والمثقف العراقي الكبير الدكتور علاء طاهر... وغيرهم الكثير والكثير... وكلها حوارات ولقاءات كان يستطيع من خلالها (عبر ثقافته موسوعية الطابع) أن يكشف للقراء جوانب مجهولة غير مطروقة عن حياتهم الفكرية والنفسية والشخصية كذلك..
وبينما نحن نلهث وراء الغرب نحاول إسماعه صوتنا، كانت بعض المقالات النارية التي كتبها الدكتور "أبو العلا" (ليكشف فيها زيف ادعاءات المستشرق الشهير "جاك بيرك" عن القرآن) مدعاة إلى ردِّه الرسمي على ما كُتِبَ... فقام بإرسال الرد محاولاً أن يقي نفسه سياط الحقائق فيما ذكره الدكتور أبو العلا... ولكن هيهات... فما كتبه كان متهافتًا... وبقي فقط أن الكلمات كانت أبلغ وأمضى سلاح ينافح به كاتب عن دينه وفكره وعروبته... وما زال كتابه "القرآن وأوهام مستشرق" شاهدًا على تلك المعركة.
ولعل الشيء الأهم الذي كان يمثِّل استقراءً مبكرًا نافذًا للغاية إلى أغوار المستقبل هو استقراؤه المبكر سياسيًّا لما سيصير إليه الأمر في قضية الصراع النووي بين أمريكا وإيران... فقد قال نصًّا "ما هي الفلسفة الكامنة وراء حدة الموقف الإيراني؟ حقيقة تتأسس تلك الفلسفة على محورين يتنافسان في الخطورة... فاعلية القوة الذاتية المعتمدة على أن مفاعلاتها النووية مصممة أصلاً لامتصاص الضربات العسكرية واحتوائها، فضلاً عن أن جميع هذه المفاعلات موزعة على كامل نطاقها الجغرافي، من ثم فإن مسألة نسف البرنامج النووي الإيراني قد تبدو غاية مستحيلة، كما تتجلى القوة في شل حركة النفط العالمي بإغلاق مضيق هرمز... وغير ذلك مما قد يؤثر ضد الصالح الأمريكي... أما المحور الثاني فيتجلى في المراهنة على العجز الذاتي للآخر وتوظيف نقاط ضعفه وإخضاعها للصالح الإيراني... وبالتالي لا تخرج سيناريوهات المشهد الإيراني عن ثلاثة سيناريوهات: الحرب أو الحصار أو المفاوضات... وحين يركن الخيار نحو التفاوض والتسوية والدبلوماسية الهادئة فإن ذلك ينزل البارانويا الأمريكية من عليائها خاسئة ويعلو بالكاريزما الإيرانية التي راهنت على العجز والخواء الأمريكي فتحققت النقلة التاريخية والحضارية".
فهل خرج الأمر عما قاله ونبه إليه هو منذ عام 2007؟
هل يمكنني أن أنسى مقالته التي طالب فيها إدارة الرئيس أوباما فور توليه الرئاسة بأن يكون هناك خطاب مغاير لخطاب إدارة بوش، وأن ذلك الخطاب يجب أن يتخلى عن الاستعلائية الأمريكية، وبدلاً من توجيهه من أمريكا يجب أن ينطلق من دولة تمثِّل ثقلاً في العالم العربي والإسلامي (ولتكن مصر لأنها الأكثر تأهيلاً لذلك بأزهرها وجامعتها العريقة)... وبعدها بأسبوعين فوجئ العالم بالإعلان عن الزيارة التاريخية للرئيس أوباما إلى مصر وبخطابه الذي كان مختلفًا في توجهه عمن سبقوه!
ليس ذلك بمستغرب مطلقًا بينما كتبه (العربية والإنجليزية) بمجرد صدورها تجد طريقها إلى مكتبة الكونجرس الأمريكية وغيرها من المكتبات المهمة دون تأخير ولا اعتراض!!!!! ولذلك لم يكن من الغريب أن تهتم موسوعة ماركيز الدولية المرموقة بإيراده ضمن أهم المثقفين على صفحاتها... وهو شرف عظيم لمن يعلم مدى خطورة اسم تلك الموسوعة ورقيها... ويكفي أنه لم ينضم إلى تلك الموسوعة العظيمة (التي تضع بين دفتيها الكتاب ذوي التأثير العميق بكتاباتهم) إلا عدد لا يتجاوز أصابع اليدين من المثقفين المصريين!
ثم جاء التكريم الأكبر باختيار جامعة كامبريدج العريقة للدكتور محمد حسين أبو العلا كأحد أهم 3000 مثقف في العالم ومنحه شهادة تقدير خاصة بذلك من قبل (المركز الدولي للسيرة الذاتية بجامعة كامبردج) عام 2015، ودعوته إلى حفل تكريمي مهيب في الجامعة العريقة من أجل ذلك الحدث وتسليمه الشهادة... ولكن بعض الظروف الشخصية القاسية حالتْ دون تمكنه من السفر... فأُرْسِلَتْ له الشهادةُ ناضحةً برفعة مكانته ومدى المجد العلمي المعنوي الذي أحرزه لمصر كلها وليس لنفسه فقط..
ربما كانت شهادتي عن أستاذي الجليل الدكتور/ محمد حسين أبو العلا مجروحة... لأنه صديقي العزيز الذي كان إهداء أطروحة الماجستير الخاصة بي إليه هو... ولكن ذلك المفكر العالمي (الذي لم نكتشفه في مصر بعد) وبمنتهى الإنصاف يستحق أن نلتفت إلى قيمته وقامته... ونحاول الإفادة منه ما أمكن... فهو عازف عن الظهور بشتى صوره... ولكن أظن أن الوقت قد حان لكي نجبره على الخروج من تلك العزلة؛ لأن لديه الكثير جدًّا مما يجب أن يُقال ومما سيعود بجم النفع على كل مهتم بأمر الثقافة في مصر..
وربما كان خير ختام لتلك الشهادة الموجزة (التي حاولت تحجيم مساحة الشخصي فيها؛ لأنه قد يمتد لعشرات الصفحات التي أروي فيها عن أدبه الجم وإفادته لي ولغيري مجسِّدًا بحقٍّ إنسانًا نبيلاً وعالمًا جليلاً) هو ذلك الاقتباس الذي ورد في كتابه: (الورطة الثقافية – خرائط من ذاكرة الجنون):
"إن محاولات تغييب مُثُلِ الاستنارة العقلية وطَمْس آفاق الروح الإنسانية لن يخدم أيَّ مشروع سياسي أو استراتيجي، وإن التنمية -على اختلاف ضروبها- لن تكون البديل الأفضل أو حتى الأسوأ للثقافة، وإن الناتج القومي لن يحلَّ محلَّ الهوية، وإن طقوس الابتكار الآلي لن تكون مثيلاً للتنويعات الثقافية، وإن أكبر خسائر المُعْتَرَكِ الأرضي -في شوطه الراهن- هو أن تغدو الثقافة مرادفًا للإعاقة وربما التخلف"..
هي إذن دعوة من أجل تجنُّبِ البكاء على اللبن المسكوب!