المستبد السفاح.. الزاهد!

ممدوح الشيخ

ممدوح الشيخ

كاتب صحفي

عندما طالعت سيرة الزعيم الصينى الأسطورى «ماو تسى تونج»، التى كتبها جونج تشانج وجون هاليداى، خرجت بدرس فى السياسة أراه مهماً لاستقامة النقاش الدائر فى مصر حول «الرئيس القادم» لمصر. وسيرة «ماو» تكشف عن وجه آخر لـ«ماو» يغاير وجهه المعروف، فهو فى حقيقته مستبد مخادع غادر بشكل لا يختلف إلى قليلاً جداً عن أى مجرم عتيق.. والمفاجأة الأكبر أنه كان مهووساً بالنساء بشكل يغاير تماماً الصورة المتقشفة المحافظة التى رسمها له الإعلام الشيوعى الصينى فى خيال جماهيره المفتونة! وهذه المسافة بين الصورة والحقيقة لا يمكن أن تعبرها أمة ما لم تتعامل مع الرئيس كإنسان، أما الزعيم القائد البطل المنقذ الملهم... إلى آخر ألفاظ معجم التقديس فلا تفيد، وقد روى لى شيخ القضاة الراحل المستشار يحيى الرفاعى، رحمه الله رحمة واسعة، قصة مكالمة هاتفية مع المخلوع «مبارك» حول دولة القانون امتدت لفترة طويلة جداً، قال له فيها -مبكراً- إنك لا تريد أن تحكم كرئيس فى دولة قانون بل تريد أن تتحول إلى «زعيم». ومثل هذا الزعيم يتحول، فى نظر المفتونين به، من إنسان من لحم ودم يصيب ويخطئ، إلى «أسطورة» تحلق فى السماء ولا يمكن لكثير من البسطاء أن يُدخلوها عالمهم الإدراكى البسيط المسطح، وهؤلاء فى كل مجتمع كثيرون، وفى المجتمعات ذات الأغلبية الأمية كمجتمعنا أكثر، ومن ثم فمن الخطر ومن مؤشرات غياب الأمانة أن يلعب الإعلام لعبة «صنع الأساطير» هذه بحق أى شخص، يصبح الخطر عندما يكون هذا الشخص «جنرالاً»! لكن سيرة «ماو» ذكرتنى بما هو أخطر، وهو اختصار معايير المجتمع التى يتم بناءً عليها اختيار الزعيم إلى معيار «طهارة اليد»، وأحياناً تمتد المزايدات لتصل إلى نوع من الكلام الصوفى المشحون بالوله عن «الرئيس الزاهد»، وغنى عن البيان أن عفة اليد أمر متوقع حتى فى الشخص العادى، وافتقاره إليها يجعله موضع استهجان الأسوياء. لكن الخطر هنا يأتى من مصدرين: أولهما أن نظافة اليد ليست المؤهل الوحيد لاستحقاق شخص ما أن يكون قائداً له، وعندما يستعيد البعض عصر حكم «عبدالناصر» ثم يلخص القصة كلها فى أنه كان يأكل الجبن ولما مات لم يكن صاحب ثروة، فإن حديثه ينم عن خفة واستخفاف فى آن واحد! المصدر الثانى للخطر أن دروس التاريخ هنا تغيب تماماً، والإنسان هو الكائن الوحيد، فيما نعلم، الذى يؤرخ لنفسه، ومن ثم فإن استفادة اللاحقين من دروس السابقين وتجاربهم تصبح ضرورة، وما يعلمه إيّانا التاريخ أن كل الثوريين الزهاد فى التجارب الشمولية المعاصرة لم يكونوا مرضى بالولع بالملذات لكنهم كانوا مرضى بـ«شهوة السلطة»، وأن انشغال الجماهير بشكل مبالغ فيه بزهدهم فى الملذات والثروات جعلهم فى مرحلة لا يرون خطاياهم التى ارتكبوها تحت وطأة أعراض «شهوة السلطة»، وفى مرحلة تالية إذا رأوها أنكروها، فإذا عجزوا عن دفع الحقائق نصبوا ميزاناً هو من مفردات عالم أوهامهم، ثم قالوا بسذاجة (مريحة ومتبجحة فى آن واحد): «لا بأس، يكفى أنه مات فقيراً»! وقد كان «لينين» من أكثر الزعماء فى تاريخ الاتحاد السوفيتى اتساقاً مع الشعارات التى رفعها، فضلاً عن أنه كان «كائناً لا يكاد يتوقف عن القراءة»، لكنه فى التقييم الأخلاقى المبدئى واحد من أحط السفاحين فى القرن العشرين! والشبح المختبئ وراء هذا الضباب الكثيف الذى يغشى رؤية الجموع فى كل الأمم، التى حرمت طويلاً من الحرية، هو رغبتهم فى حاكم يقوم بدور أبوى يحميهم من أخطار مجهولة المصدر ومؤامرات كونية، وهو فى الحقيقة تعبير مؤسف عن حالة من حالات ضعف الثقة فى الله (سبحانه وتعالى)، حيث يجب أن يتحقق الأمن بشكل مادى ملموس، حتى لو كان مجرد إحساس وهمى وليس أمناً حقيقياً، والمؤمن إيماناً حقيقياً برب العزة وكماله وقدرته ورحمته لا أظن أبداً أن تستغرقه هذا الأوهام. ولأن هذا الإحساس البدائى بالخوف هو غريزى وليس عقلانياً، فإن المصابين به عادة يتعلقون بأشخاص يحاولون الظهور بمظهر مثالى يكونون فيه أقرب إلى «الحلم» الذى يستحيل إمساكه، فهو غالباً خطيب مفوه يدغدغ مشاعر الناس ولا يخاطب عقولهم، وعادة أن كل واحد ينجح فى صك تعبير براق هو أول الناس إدراكاً لحقيقة أنه فخ لصيد المغفلين ولا يصلح أبداً لأن يكون برنامجاً، ويعد شعار «ألمانيا فوق الجميع»، الذى دمر به هتلر ألمانيا، المنتج الأكثر شهرة لهذه الماكينة الشيطانية! والرئيس الزاهد، غالباً، لا يجرى تقييم خطاياه وبخاصة عند البسطاء والمسكونين بالخوف من المجهول -أى مجهول- لكن المجتمعات تقترب من النضج والسواء كلما زاد فيها الوزن النسبى لتأثير التقييم العقلانى الذى يستند إلى عدد من المعايير لا إلى معيار واحد، والنخبة التى يسيطر عليها «المبشرون بالمنقذ» بحيث يكونون الأعلى صوتاً، نخبة تقود أمتها إلى الهلاك، وهى غارقة فى نشوة كاذبة بالأسطورة والشعارات المثالية. وعليه، فإن مصر -فى تقديرى المتواضع- لا تحتاج إلى منقذ من هذا الطراز لا فى زى مدنى ولا فى زى عسكرى على الإطلاق، بل تحتاج إلى إدراك أن المريض بـ«شهوة السلطة» حتى لو كان زاهداً أخطر ألف مرة من المريض بشهوة المال أو غيره من الملذات!