جدل حول دور مصر الإقليمى
- أحمد أبوالغيط
- أستاذ جامعى
- اتصال هاتفى
- اتفاقيات الشراكة
- اتفاقية السلام
- الأسئلة المحرجة
- الأسبوع الماضى
- الأمم المتحدة لحقوق الإنسان
- أبعاد
- أجواء
- أحمد أبوالغيط
- أستاذ جامعى
- اتصال هاتفى
- اتفاقيات الشراكة
- اتفاقية السلام
- الأسئلة المحرجة
- الأسبوع الماضى
- الأمم المتحدة لحقوق الإنسان
- أبعاد
- أجواء
فى الأسبوع الماضى، نشرت فى هذا المكان مقالاً بعنوان «ملامح السياسة الإقليمية المصرية»، وهو المقال الذى سعى إلى تقصى منطلقات السياسة الإقليمية الوطنية، اعتماداً على قراءة حديث الرئيس السيسى الأخير، فى المؤتمر الوطنى الخامس للشباب من جانب، وتحليل ملامح تلك السياسة على الأرض من جانب آخر.
وقد خلص المقال إلى أن الرئيس يريد دوراً يتناسب مع القدرات والإمكانيات المتاحة، ويلتزم بمبادئ أساسية، تتسق مع التوجه العام للسياسة المصرية، كما ظهر على مدى أكثر من قرنين من عمر الدولة الحديثة، وهو دور يبدو غير طموح، ولا يعكس اعتداداً ملائماً، لكن يصعب جداً تجريده من كونه منطقياً وواقعياً وأخلاقياً.
وقد حظى المقال بعدد من ردود الفعل والتقييمات المميزة، وكان أبرزها تعليق الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبوالغيط، الذى أثنى على الفكرة، فى اتصال هاتفى بالكاتب، مشدداً على ضرورة أن تتسق السياسات الإقليمية للدول مع إمكانياتها وقدراتها من جانب، والمحددات والقيود التى تحكم السياسات الإقليمية والدولية من جانب آخر. والواقع أن الأمين العام لجامعة الدول العربية من أقدر السياسيين الحاليين على مقاربة موضوع السياسة الإقليمية، وتحليل أدوار القوى الفاعلة فى النظم الإقليمية، ليس فقط لكونه أميناً عاماً للمنظمة الإقليمية العربية الأهم والأشهر، أو لأنه شغل منصب وزير خارجية مصر، على مدى سبع سنوات من 2004 إلى 2011، ولكن أيضاً لأنه أحد محللى السياسة الإقليمية والدولية المرموقين، وهو الأمر الذى يظهر بوضوح عند قراءة كتابيه المهمين «شهادتى»، و«شاهد على الحرب والسلام».
فى كتابه «شاهد على الحرب والسلام»، يكتب أبوالغيط من واقع معايشة كاملة لواحدة من أخطر الفترات التى مرت بها مصر والمنطقة العربية، وهى الفترة التى شهدت اندلاع حرب أكتوبر، ثم فترة مفاوضات «السلام».
لقد أتيحت للأمين العام فرصة نادرة بحكم مهام عمله مع مستشار الأمن القومى، إبان حرب أكتوبر، محمد حافظ إسماعيل، لمدة عامين، تابع خلالهما كيفية استعداد مصر للحرب، فى ضوء حسابات دولية وإقليمية وداخلية شديدة التعقيد، ثم فترة الحرب ذاتها، وما تلاها من مفاوضات، وصولاً إلى كواليس صناعة «اتفاقية السلام»، التى كان شاهداً عليها، بعدما انضم فى العام 1977 إلى المجموعة المكلفة بمتابعة هذا الملف.
يتصور بعض النقاد أن الحديث عن دور إقليمى متسق مع القدرات والمقومات الداخلية من جانب، ومتلائم مع المحددات والقيود الدولية والإقليمية من جانب آخر، ليس سوى «تفريط وانبطاح»، وهو أمر خاطئ بكل تأكيد.
لذلك، فقد أخذ بعض المهتمين على كاتب المقال أنه «لا يقدر تاريخ مصر وحجمها ونفوذها الاستراتيجى فى المنطقة»، وهو حديث يخلط بين العقل والعاطفة، وبين الواقع والتصور.
إن أفضل سياسة إقليمية لدولة تريد أن تلعب دوراً محورياً، وأن تحظى بالقيادة، يجب أن تبدأ من الداخل، وهو أمر يستلزم بناء القدرة الذاتية فى مجالات شتى، وتقليل الاعتماد على الخارج بقدر الإمكان، خصوصاً فى المتطلبات الاستراتيجية؛ ومنها الطعام والسلاح والطاقة بطبيعة الحال. ستجرى الإدارة السياسية الرشيدة للدولة حساباً دقيقاً للقدرات الحالية والمتوقع امتلاكها، فى سياق المنافسة الإقليمية، ومن ثم ستصمم أبعاد الدور المطلوب، وإلا فإن النتائج ستكون كارثية وموجعة، وسيكون من السهل جداً البرهنة على تلك النتائج، عبر استعراض نماذج لأدوار إقليمية لعبتها دول مثل العراق وليبيا، وهى أدوار باءت بكوارث كما نعلم جميعاً.
أما التعليق الثانى الذى أرغب فى مشاركتكم إياه، فقد ورد فى صورة رسالة بريدية من الأستاذ الدكتور محمد المصرى، وهو أستاذ جامعى مرموق فى جامعات كندا، وأحد أكثر المغتربين البارزين اهتماماً بمتابعة الشأن المصرى، وخصوصاً أن متابعته تتسم بقدر كبير من الشغف بالهم العام من جانب، ورؤية واضحة وصارمة حيال الكثير من التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جانب آخر.
يثنى الدكتور المصرى على المقال، لكنه يطرح سؤالاً يمكن أن يشى بلوم مبطن، إذ يشير إلى عبارة «بسبب المآخذ التى تسجلها دول ومنظمات دولية مرموقة على مصر جراء الممارسات المتصلة بالحريات وحقوق الإنسان، تفقد الدولة جزءاً من الصورة الذهنية البراقة المطلوبة للعب الأدوار الكبرى إقليمياً»، ويسأل: «ما مدى صدق هذه المآخذ؟ وهل هى مسيسة؟ وهل قلت بعد الانتخابات الرئاسية، حيث إنها استنفدت غرضها فى التأثير فى الشارع المصرى؟».
الإجابة واضحة ومباشرة: جزء كبير من الحملات التى تستهدف أوضاع حقوق الإنسان فى مصر مسيس، وبعض هذه الحملات مشبوه ومأجور، كما أن الدول التى تستهدف مصر حقوقياً بعضها يعانى من مشكلات فى مجال حقوق الإنسان، وأغلبها يستخدم المكاييل المتعددة والمعايير المزدوجة فى مقاربة الموضوع الحقوقى.
هذه إجابة واضحة لا لبس فيها، لكنها لا تكفى وحدها لحل إشكال حقوق الإنسان فى مصر، بالنظر إلى أن ملف الحريات وحقوق الإنسان بكل بساطة شأن سياسى، وأن مصر وقعت عدداً من اتفاقيات الشراكة والتعاون مع جهات دولية وإقليمية تتعهد فيها باحترام حقوق الإنسان، وأن مصر دولة عضو فى الأمم المتحدة، وعليها أن تتواءم مع مقتضيات مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وأن تقدم له تقارير دورية.
ورغم أن هناك قدراً واضحاً من الاستهداف المغرض وغير المسوغ، فإن الأكيد أن جزءاً من الانتقادات والمطالبات يتصل بمشكلات حقيقية، وسياسات مثيرة للجدل، وأخطاء نرتكبها، ضمن مواجهتنا الحرجة للإرهاب وبعض المنابر المعادية التى تستثمر تلك المواجهة لإرباكنا والنيل من استقرارنا.
لا توجد دولة، متقدمة أو نامية، تواجه تحدياً إرهابياً كذلك الذى يستهدفنا، من دون أن تتأثر منظومة حقوق الإنسان بها، وتتضرر حالة الحريات، أضف إلى ذلك أن إشكال حقوق الإنسان فى بلدنا جوهرى وعميق؛ فهو يتزود بمصادر تاريخية من الفقر والجهل، والإدارة السياسية الشمولية، وخلط السياسى بالحقوقى.. وأخيراً بعدم وجود رؤية أو إرادة أو خطة متكاملة للتعامل معه.
والخطير فى هذا الصدد، أنه فى أجواء الاستهداف، وتوالى نشاطات الضغط المكثفة، واستمرار ارتكاب بعض الأخطاء، يمكن أن تتحول الأسئلة المحرجة، والانتقادات السياسية، إلى إجراءات تكبلنا، وتزعزع صورتنا، وتنعكس فى سياسات وقرارات أممية أو ثنائية مكلفة، كما أنها تخصم من وجاهتنا الإقليمية اللازمة لتطوير دورنا.
علينا أن نتحدث عن حقوق الإنسان بوصفها عالمية، وغير قابلة للتجزئة، وأصيلة، وأن تطويرها ضرورة، بعيداً عن الاستخدام الدولى المسىء لها، وهو الأمر الذى سيقودنا إلى حالة حقوقية تعزز قدراتنا الإقليمية وصورتنا الدولية، وهو منطلق أساسى لأى دور إقليمى مستحق.