كيف نواجه الضغوط الأمريكية؟

فاجأ الشعب المصرى الولايات المتحدة الأمريكية بكل ما تملكه من أجهزة مخابرات وجمع معلومات مرتين، وفى كل مرة كان يهدد استراتيجيتها المستقرة لمنطقة الشرق الأوسط؛ المرة الأولى بثورة 25 يناير التى أطاحت بإحدى أهم ركائزها فى المنطقة وهو حسنى مبارك، والمرة الثانية بثورة 30 يونيو التى هددت مخططها للشرق الأوسط الجديد تحت هيمنة تيار الإسلام السياسى وما يوفره لها التحالف معه من قدرة على تنفيذ مخططاتها للمنطقة، وعلى رأسها إقامة دويلات دينية وطائفية على أنقاض الدول الوطنية تصبح معها إسرائيل، الدولة اليهودية، كياناً طبيعياً فى المنطقة. لم تتوقف الولايات المتحدة عن ممارسة الضغوط على القيادة الجديدة فى مصر بعد ثورة 25 يناير لكى تساير استراتيجيتها، وتلتزم بالاتفاقيات التى وقعتها مصر مع إسرائيل والتعهدات التى قطعها النظام السابق للولايات المتحدة، وأوجه التنسيق المستمرة فى إطار الاستراتيجية الأمريكية. ولكن الولايات المتحدة تشعر بالخطر على مخططاتها جراء التغيير الذى حدث فى مصر بعد 30 يونيو، وارتبكت سياستها وتراوحت بين الرفض الكامل لما حدث وبين محاولة الالتفاف حوله. من هنا، لم يكن مفاجئاً للمراقبين إعلان الولايات المتحدة تأجيل تسليم الطائرات والدبابات المتعاقد عليها مع مصر كوسيلة ضغط على القيادة الجديدة للقبول بإملاءاتها، ومنها عدم استبعاد الإخوان المسلمين من الساحة السياسية، رغم أن الجماعة هى التى استبعدت نفسها بممارستها للعنف وعدم قبولها المشاركة فى خطة خريطة المستقبل للتحول الديمقراطى. ثم أعلن الرئيس أوباما، فى محاولة أخرى للضغط، أن مصر لم تعد حليفاً ولكنها فى نفس الوقت ليست عدواً. وأخيراً أعلنت الولايات المتحدة أنها ستخفض مساعداتها العسكرية لمصر، فى محاولة مكشوفة للضغط من أجل استمرار مصر تحت الهيمنة الأمريكية. فهل نملك القدرة على مواجهة هذه الضغوط؟ وهل نملك الإرادة لاستخدام ما نملكه من أوراق ضغط؟ نعم تملك مصر الكثير من أوراق الضغط تستطيع استخدامها فى الوقت المناسب ودون تهور أو استعجال للحد من الضغوط الأمريكية. تملك مصر القدرة على دفع أمريكا إلى الوفاء بالتزاماتها تجاه مصر فيما يتصل بالمساعدات العسكرية، لأنها فى الحقيقة مقابل توقيع مصر اتفاقيات كامب ديفيد، فقد وفرت هذه الاتفاقيات جانباً مهماً من المساعدات التى كانت تقدمها أمريكا إلى إسرائيل لكى تستطيع تأمين حدودها الجنوبية مع مصر، حيث نصت هذه الاتفاقيات على تقييد وجود الجيش المصرى فى سيناء، ما يحد من التهديد العسكرى المصرى لإسرائيل، وحققت أمريكا بذلك وفراً مهماً فى مساعداتها لإسرائيل قدمت لمصر جزءاً منه كمساعدات عسكرية هى التى تخفضها الآن. ومن واجب الحكومة المصرية أن تعيد النظر فى تعهداتها ونشر قواتها العسكرية فى سيناء، بما يضمن أمنها القومى ما دامت الولايات المتحدة لم تلتزم بتعهداتها من المساعدات العسكرية، لتعويض مصر عن توقيعها الاتفاقيات، وبإمكاننا الضغط فى هذا الاتجاه بشكل محسوب. هناك أيضاً وسائل ضغط أخرى تملكها مصر تجاه الولايات المتحدة، وعلى رأسها مناورات «النجم الساطع» التى تجرى كل سنتين، لأن المستفيد الأكبر من هذه المناورات هى الولايات المتحدة الأمريكية، التى تدرب قواتها على القتال وفى ظروف الشرق الأوسط الجغرافية والمناخية، وتوفر لها بذلك القدرة على التدخل فوراً فى هذه المنطقة إذا احتاجت إلى ذلك فى مواجهة أى تطورات، وستكون قواتها قادرة على القتال فوراً بما كسبته من خبرات التدريب فى الأرض المصرية. هناك أيضاً وسيلة ضغط أخرى نملكها، وهى الخاصة بأن مصر قد منحت السفن الحربية الأمريكية أولوية المرور فى قناة السويس دون انتظار دورها، ويوفر هذا الإجراء أموالاً هائلة للولايات المتحدة، كما يمكنها من أن تكون قواتها موجودة فى المكان الذى تريده فى الوقت المناسب، وهى ميزة عسكرية تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على تنفيذ استراتيجيتها وحماية مصالحها وحلفاءها، وبإمكاننا حرمانها من هذه الميزة بإلغاء حق السفن الأمريكية فى المرور دون انتظار دورها. وهناك بالإضافة إلى ذلك كله سماح مصر للطائرات الحربية الأمريكية بالمرور فى الأجواء المصرية، وعندما نحرمها من هذه الميزة فإنها ستتكلف أموالاً طائلة وتخسر ميزات عسكرية مهمة. هذه نماذج من أوراق ضغط تملكها مصر فى مواجهة الضغوط الأمريكية نستطيع استخدامها فى الوقت المناسب، فضلاً عن وضع مصر كدولة إقليمية كبرى فى منطقة حساسة من العالم يتعين على الولايات المتحدة احترامها وكسب ودها، لما توفره العلاقات الطيبة معها من مزايا عديدة للمصالح الأمريكية فى المنطقة.