مسار الثورة السورية

لم يكن يتوقع أكثر النشطاء والثوريين فى سوريا تفاؤلاً أن ينتفض الشعب السورى ضد نظام بشار الأسد، على النحو الذى جرت به الوقائع طيلة ما يقرب من الخمسة عشر شهراً منذ مارس عام 2011، وذلك بسبب تجبر النظام البعثى وقبضته الأمنية على مجريات الأمور، ورفع النظام لواجهات براقة كالمقاومة والعروبة والصمود، وهى واجهات مفارقة لواقع الحال. تساقطت أقنعة النظام السورى الواحد تلو الآخر، كما تتساقط أوراق الشجر فى الخريف، وذلك فى مواجهة الثورة الشعبية، التى ما إن بدأت حتى اشتد عودها شيئاً فشيئاً، واشتعل أوارها وامتد ليطال مختلف المدن والمناطق السورية. وقد سقط أول ما سقط من هذه الأقنعة شعار المواجهة والصمود، ففى مواجهة ثورة الشعب السورى، تبين للجميع أن مواجهة النظام ومؤسسته العسكرية والأمنية للمواطنين السوريين الباحثين عن الكرامة والعدل والمساواة تشغل قمة نظام الأولويات، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة فى مواجهة المواطنين المسالمين على نطاق واسع وشامل، وكان التناقض بارزاً بين إعلانه الحرب على الشعب، وبين الصمت الذى خيم ولا يزال على جبهة الجولان المحتل مع إسرائيل. استند النظام السورى، فى هذه المواجهة الدامية مع الثورة السورية، على انقسام المجتمع الدولى إلى مجموعتين، الأولى تضم الولايات المتحدة وأوروبا وخاصة فرنسا التى تدعم الثورة بدرجات متفاوتة، أما الثانية فتضم روسيا والصين والتى تدعم النظام، أما على الصعيد الإقليمى فيحظى النظام السورى بدعم حليفيه إيران وحزب الله وبدرجة أقل العراق، بينما تناوئه وتدعم الثورة تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر التى تدعو إلى تسليح المعارضة. من ناحية أخرى فقد حاول النظام السورى، ومنذ بداية الثورة وعبر استخدام مفرط للعنف فى مواجهتها، الدفع بالثورة للانزلاق نحو العنف، وذلك لتسويغ استمراره فى استخدام القوة، والزعم بوجود طرفين متواجهين على الأرض لضمان استمرار القبضة الأمنية والعسكرية، وتشويه صورة الثورة السورية. شكلت الثورة السورية، ودون إعداد مسبق وفى مواجهة التطورات الميدانية، نواة لجناح عسكرى تمثل فى «الجيش السورى الحر» الذى يضم العناصر المنشقة عن الجيش السورى النظامى وبعض المتطوعين لحماية المدن والمواطنين، كما تشكل جناحها السياسى المتمثل فى «المجلس الوطنى» بالخارج وهيئة التنسيق الوطنية فى الداخل وهما لسان حال الثورة السورية بالإضافة إلى «تنسيقيات الثورة». قد تبدو إمكانيات التدخل الدولى ضئيلة حتىالآن ووراء ذلك تقف عوامل كثيرة من بينها أن سوريا ليست دولة نفطية أو أن إسرائيل واللوبى اليهودى الصهيونى لا يضغطان بما فيه الكفاية لتسريع التدخل الدولى خوفاً مما سيأتى بعد نظام الأسد، وكذلك أيضاً الخوف من عدم استقرار المنظومة الإقليمية الراهنة فى حالة التدخل، ومع ذلك فإن الحديث عن ممرات إنسانية آمنة ومناطق حظر جوى آمنة قد تمثل تمهيداً لذلك التدخل خاصة مع استمرار آلة القتل وتراكم مضاعفاتها. غير أنه فى جميع الحالات والاحتمالات فإن الثورة السورية والشعب السورى قد بلغ نقطة اللاعودة.