ذات يوم كان الزعيم الفلسطينى الراحل ياسر عرفات، فى زيارة إلى موسكو، وكان على رأس هرم السلطة فيها الرئيس يورى أندروبوف، وهو مثل فلاديمير بوتين قادم من قلب الاستخبارات. وبعد انتهاء المفاوضات طلب «عرفات» من «أندروبوف» أن يقدم له نصيحة لمواجهة أزمة الصراعات الفلسطينية - الفلسطينية وعمليات الانشقاق التى تحدث من آن إلى آخر. كان «عرفات» يشكو بشكل خاص من موجة التشدد المتصاعدة التى جعلت الساحة الفلسطينية تعج بخطابات الاتهام بالتخوين والتفريط، وكانت نصيحة «أندروبوف» لـ«عرفات» هى أن يحذر من «الأكثر تطرفاً»، مؤكداً أن تجارب استخباراتية متعدّدة أكدت لهم أن بعض الحركات الشيوعية الأكثر تطرّفاً كانت صنيعة العدو.
ولا شك فى أن الخبرة الاستخباراتية ليست المعيار الوحيد لكنها معيار شديد الأهمية، فالأكثر تطرفاً -غالباً- يشيع فى المناخ الذى يتحرّك فيه روح من «المزايدة» بهدف الاستئثار بلقب «الأكثر إخلاصاً للقضية»، أى قضية، وهنا يغيب التقييم الموضوعى وتغيب الحلول الخلاقة، ويصبح التشنّج «الميقاتى الوحيد للمباراة»!!
والأكثر تشدّداً، فى حالات كثيرة، يقتادون الكل إلى معارك خاسرة، وعلى رقابهم سكين التهديد بالاتهام بالعمالة والخيانة والتفريط و«إعطاء الدنية» ديناً أو وطنية؛ ولذا فإن «المتوسط العام» يظل مؤشراً فضفاضاً إلى حد ما، لكنه مؤشر لا يكذب، وعلى جانبيه يبقى الأكثر تطرفاً مسارات هامشية لا مشكلة فى وجودها، لكن من الخطر جداً تركها تحتل قلب المشهد وتمسك دفة القيادة فى الفكر أو الخطاب أو الفعل. ولا فرق هنا بين تشدد دينى وآخر وطنى، فكلاهما يرنوان إلى ما حذر منه المخابراتى المخضرم «أندروبوف».
وقد دفعنا جميعاً عدة مرات ثمناً كبيراً لزيادة الوزن النسبى لـ«الأكثر تطرفاً» فى الخطاب الإسلامى، وفى ممارسات كثير من الحركات الإسلامية، لكن المشهد العام عقب الثلاثين من يونيو يشير إلى صعود كبير لخطاب تطرّف وطنى يعيد إنتاج خطاب الإقصاء السياسى ويدعو إلى مواجهة مفتوحة بلا سقف مع كل من لا يتبنى قناعاتهم واختياراتهم -وأحياناً أوهامهم- بوصفها «المعلوم من الوطنية بالضرورة»!
وفى ظل الفقر الذى لا ينكره أحد فى «مصانع الأفكار» فى بلادنا بحجمها السكانى والجغرافى والإقليمى والتاريخى الكبير، تحل الشعارات محل الرؤى الفكرية ويسهل على الناس بناء مواقفهم على شحنة عاطفية يوفرها شعار رنان أو أغنية وطنية أو خطبة -هى غالباً- جوفاء، وصولاً إلى بناء القناعات فى قضايا مفصلية للفرد والأمة معاً على أكاذيب وشائعات. وفى أمة لا تكاد تستعين فى الإجابة عن أى سؤال من أسئلة المستقبل بـ «المقروء»، توفر الشفاهية الصاخبة وثقافة الصورة بطبيعتها الزاهية «المسطحة» لكثيرين فرصة البقاء داخل «فردوس الكسل العقلى» الذى لا طاقة لهم بالعيش خارجه، وفى الوقت نفسه الحصول على راحة نفسية كبيرة يوفرها الإحساس بامتلاك اليقين، والويل لنا من يقين يسير على عكازين: مسموع ومرئى، بينما عموده الفقرى (القراءة) مكسور!!
ومع غلبة الانفعال على التدبّر فإن الظواهر البلاغية -أو حتى الركيكة التى تحاول أن تبدو كذلك- تسلبنا روية النظر الهادئ فى الأمور. ومن قصص التراث العربية التى تجسّد هذه الأزمة فى الفهم والفعل قصة رجل رأى صديقاً له يتصدق بمال كثير فقال له ناصحاً: «لا خير فى السرف»، أى أن الإسراف شر، فرد عليه صديقه بقوله: «لا سرف فى الخير» أى أن الإنفاق فى الخير لا ينطبق عليه حكم الإسراف المنهى عنه!!
وهذه القصة تلخص جانباً من مأساتنا العقلية التى تضاعف صعوبة حل أزماتنا السياسية، فالبديهة اللغوية الحاضرة فى رد المتصدق بالمال الكثير صرفت نظر من روى الرواية ومن تناقلوها بعده عن حقيقة أن هذا الكلام، وإن بدا خلاباً وبراقاً وقادراً على انتزاع صيحات استحسان فى جلسة وعظ، فإنه يحمل شُبهة قوية فى مخالفة الشرع، حيث نهى الشرع عن أن يتصرف المسلم فى أكثر من ثلث ماله بوصية، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم، فى الحديث «الثلث والثلث كثير»، وكان الصحابى الجليل سعد بن أبى وقاص يريد أن يوصى بالتصدّق من ماله بأكثر من الثلث، وهذه مجرد «عينة» لما يؤدى إليه الانشغال بالزخرف اللغوى!!
وفى إعلامنا وفى خطابنا السياسى سيل من الدعوات «الأكثر تطرّفاً»، بعض أصحابها يبحث عن حظوة يحسب أن طريقها يمكن أن يكون ممهداً عند أهل السلطة، أو يراها طعنة يجوز له أن يسدّدها إلى خصم، ويصاغ هذا غالباً فى شكل دعوة ظاهرها الوطنية، وباطنها بث الكراهية وفتح أبواب القتل الحقيقى والمعنوى، وكما أن التكفير فى الدين باب لقتل من يتم تكفيره، فإن التكفير فى الوطنية يفتح الباب لقتل من يتم تخوينه. والذين اقترفوا خطيئة توزيع صكوك الكفر والإيمان هم الوجه الآخر لمن يطلقون أحكام الخيانة والعمالة على مخالفيهم، بسرعة إطلاق مختل عقلياً الرصاص من كلاشينكوف!!
ونحن فى حاجة إلى حوار -بكل معنى الكلمة- حول الوطنية: حوار توضع فيه ضوابط لتنظيم العلاقة الأكثر التباساً منذ يوليو 1952، وهى العلاقة بين «حقوق الفرد» و«مصلحة الجماعة»، وكذلك الخطوط الفاصلة بين «المقدس» و«التعاقدى»، بين «الوطنى» و«السياسى»، بين «الحرية» و«النظام»..
ولنتحاور ونحن نتذكر جيداً نصيحة يورى أندروبوف لياسر عرفات!