اللوبى الفرنكفونى فى بلادنا!

ممدوح الشيخ

ممدوح الشيخ

كاتب صحفي

من القضايا المسكوت عنها فى الواقع السياسى المصرى قضية «النفوذ الفرنكفونى» الثقافى والسياسى. وطابور المثقفين والسياسيين الفرنكفونيين طويل جداً فى تاريخ مصر المعاصر، بدءاً من طه حسين ومروراً بالوزيرين السابقين بطرس بطرس غالى ومفيد شهاب وصولاً إلى شريف الشوباشى ومحمد سلماوى، هذا فضلاً عن أن وزارة الدكتور عاطف صدقى أطلق عليها بعض المحللين «نادى باريس» بسبب الكثرة الظاهرة للوزراء الذين حصلوا على درجاتهم الأكاديمية بين صفوفها، صحيح أنه ليس المعيار الوحيد لكنه معيار مهم. والحديث هنا ليس عن روابط تنظيمية بل عن تلاقٍ مذهل فى الأفكار يمكن أن يرى أى مغفل أنه طبيعى، لكننى حاولت أن أكون مغفلاً لأرتاح وفشلت!! وهذا التيار فى الحقيقة لا يحظى باهتمام كافٍ من المحللين رغم أنه أحد أهم مفاتيح فهم أزمة مصر -وبخاصة قضية هوية مصر- وبدلاً من ذلك يغرق العقل الجمعى فى طوفان من القصص أكثرها مختلق عن طابور خامس أمريكى لديه نفوذ كبير! ولا أجد نصاً يلخص رؤية هذا التيار الفرنكفونى أفضل من قول المفكر الفرنسى ذائع الصيت أرنست رينان: «إن أهمية مصر الاستراتيجية بالنسبة لملكوت البحار... إنما تشير إلى أنه حين يلعب بلد ما دوراً يمس المصالح العامة للبشرية فإنه يجرى دائماً التضحية به فى سبيل هذه المصالح. والبلد الذى تكون له مثل هذه الأهمية بالنسبة لبقية العالم لن يسعه الانتماء إلى نفسه إذ يجرى تحييده لحساب البشرية. ومصلحة الحضارة الأوروبية هى التى تتطلب هذه التضحية. إن مصر سوف يتم حكمها دائماً من جانب مجموع الأمم المتحضرة.. وسلالة محمد على المالكة ليست سوى دمية بيد أوروبا. إن فرنسا على مدار ثلاثة أرباع القرن قد وجدت حلاً لهذه المشكلة الصعبة حلاً سوف يكون مثار الإعجاب عندما تبين التجربة أية دموع ودماء سوف يدفعها العالم ثمناً للحلول الأخرى. لقد ارتأت أن تحقق عبر أسرة مالكة مسلمة من الناحية الظاهرية (!!!) هيمنة الروح الحديثة على هذا البلد غير العادى الذى لا يمكن تركه منتمياً إلى البربرية دون أن يترتب على ذلك إلحاق أذى فادح بالصالح العام». (من كتاب «المملكة المستحلية: فرنسا وتكوين العالم العربى الحديث» لهنرى لورنس). والنص طويل نسبياً لكنه كاشف، فالحكم الوارد بالنص عن علاقة محمد على وأسرته بالإسلام ليس صادراً عن إسلامى متشدد بل عن واحد من صنّاع السياسة الخارجية الفرنسية وأحد أهم رموز الثقافة الفرنسية الحديثة. وما يشير إليه من توافق أوروبى يبدو أنه ما زال قائماً للآن، وفى الوقت نفسه فإن هذا التوافق الأوروبى الصلب أحد أوجه الفهم المحتملة للهجمات المتشنجة من الهجوم على أمريكا فى الإعلام المصرى، فهناك من استبطن بـ«وعى تام» المصالح العليا لأطراف أوروبية ونجح لسنوات فى تسويقها بوصفها «خيارات وطنية» وهذا النفوذ فى مصر ضخم جداً ومستقر جداً، وآن أوان التعامل معه -لا كتيار يدافع عن الوطنية السيادة بل- كمدافع عن مصالح سياسية قديمة جداً للقوى الأوروبية. ولنتأمل هذه الفقرات من مقال رئيس تحرير الأهرام عبدالناصر سلامة (عدد الجمعة الماضى): «صناع القرار، الذين من المفترض أن يكونوا أمناء على الشعب، بدلاً من أن يبحثوا فى وسائل إعادة السلم العام إلى المجتمع، حتى لو كانت من خلال حوارات علنية، أو حتى سرية مع كل المارقين، قد خضعوا مرة أخرى لإرادة هذه القوى، التى أغلقت كل الطرق، التى يمكن من خلالها إنجاز ذلك»، ويكمل سلامة: «بل أصبح كل من يسعى إلى المصالحة الوطنية... متهماً فى ماله وعرضه، ووطنيته، ناهيك عن صك الأخونة، وخاتم شعار العمالة»! فمن هذه القوى التى تملك إرغام صنّاع القرار، ومن أين تستمد نفوذها، ولم خضعوا لنفوذها؟ ويكمل سلامة: «والغريب فى الأمر أن القوى نفسها التى تستهويها حركة العنف فى المجتمع هى نفسها التى تسعى إلى تجريد الدستور من المواد الخاصة بالشريعة أو ازدراء الرسل، فى رسالة إلى الآخرين أن الدولة سوف ينقلب حالها إلى الإلحاد مثلاً، وذلك فى محاولة أخرى لتأجيج العنف، غير مدركة أن طبيعة الشعب المصرى هى التدين الفطرى، ومن ثم يمكن اتساع حركة الغضب والعنف، مع هذه الممارسات غير مدروسة العواقب»، ويكمل سلامة: «ولذلك فإن الدولة، بوضعها الحالى، سواء على مستوى الممارسات اليومية، أو على مستوى كتابة الدستور، يجب أن تثبت أنها أكثر حرصاً على الإسلام، أو على الديانات بصفة عامة، أكثر من ذى قبل، حتى لا يصبح هناك مجال للمزايدات، أو الادعاءات، وخاصة فى مثل هذه الظروف التى قد يجدها البعض مواتية للاستقطاب، ونشر الشائعات، وهو الأمر الذى يستدعى مزيداً من التروى والحذر فى التعامل مع هذه الحالة، دون فرض أيديولوجيات بعينها على المجتمع، قد لا تتناسب، بأى حال، مع طبيعته، ولا ثقافته، ولا ماضيه، أو مستقبله». فهل المعركة الدائرة الآن حول قضيتى «الهوية» و«المرجعية» فى مسودة الدستور دفاع عن «هوية وطنية» أم عن «إسلام ظاهرى» -حسب وصف أرنست رينان- وما هو الحقيقى إذا كانت دولة محمد على دولة «مسلمة ظاهرياً»؟