عصير الكِبْر المصفّى!

ممدوح الشيخ

ممدوح الشيخ

كاتب صحفي

من مفارقات المشهد السياسى المصرى الراهن كثرة المعلومات وقلة الحقائق! وبعض من درسوا التأثيرات الاجتماعية والثقافية لثورة المعلومات صكّوا مصطلح «التخمة المعلوماتية» مؤكدين أنها تتسبب فى حالات كثيرة فى تشتت من يقوم بتحليل المعلومات ليصل منها إلى مستخلصات، وهذا جانب من جوانب الأزمة الحالية فى مصر، حيث يقوم كثير من منتجى الخطابين التحليلى والسياسى بالانتقاء -الذى لا يخلو فى حالات كثيرة من الغرض- ليصلوا إلى نتائج محددة مسبقاً!!! والخطاب الذى ينتج من حالة التشوش المشار إليها هو غالباً خطاب تلفيقى يجمع بين الأضداد ويغلّب الأحقاد على المعايير الموضوعية، فما بالك بخطاب إعلامى يتم إنتاجه على هذا النحو اعتماداً على مادة خام فيها الكثير من الأكاذيب والأساطير؟ والبعد المهنى الموضوعى لا ينفصل أبداً عن البعد الأخلاقى فى أزمة الفكر والخطاب والممارسة، فنحن كـ«متورطين» فى المساهمة بجهد المقل فى إنتاج الخطاب، نسير كما لو كنا نسير فى حقل ألغام لا نكاد نثق فى صحة شىء ولا نكاد نجزم بكذب شىء، وتتوالى على رؤوسنا مطارق «المعلومات» بلا رحمة، وهو سبب ثانٍ لأن يكون المنتَج مفتقراً إلى الحد الكافى من الإنضاج الهادئ الصبور الذى تفرضه ضرورات التمحيص والتدقيق والتأمل ومحاولة تعميق القراءة لأية معطيات. والمنتَج السياسى والإعلامى يقوم بشكل رئيس على «الأمانة»، فالمتلقى لا يملك القدرة، لا الفنية ولا الشخصية، على جمع المعطيات التى يصنع منها الخطاب ولا المخرجات التى تنتجها هذه المعطيات، وهو مثل الرائد الذى قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: «الرائد لا يكذب أهله»، وهو ائتمن على حياته كافراً هو عبدالله بن أريقط فى هجرته من مكة إلى المدينة، وفى هذا الباب يدخل قوله صلى الله عليه وسلم: «المستشار مؤتمن». واستدعاء هذا البعد الأخلاقى ليس من قبيل «الوعظ» بل محاولة لإعادة الاعتبار إلى بعد «حاكم» فى الأزمة السياسية التى تزداد قتامة، فكثير من الأحكام القاطعة التى يتم التعامل معها بشكل حاسم كما لو كانت حقائق ليست سوى مكائد واتهامات مرسلة ودعايات أصبحت بالإلحاح والتبجح معاً تبدو راسخة! والرسول صلى الله عليه وسلم حذر من الكبر وقول الزور أكثر مما حذر من الزنا! قال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر»، فلما خاف بعض الصحابة من أن يكون بعض ما يفعلونه فى حياتهم اليومية داخلاً فى باب الكبر سألوا النبى فعرّف الكبر قائلاً: «بطر الحق وغمط الناس»، والمعنى إنكار الحقائق مع العلم بصحتها والامتناع عن تقدير الناس على النحو الذى يستحقونه، وكلاهما مرضان متفشيان فى الخطاب العام والممارسة السياسية والإعلامية بشكل مؤلم. وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى العاص بن الربيع وهو كافر ومقاتل وأكرمه فى موقفين مشهورين، وفى الموقفين دعاه بعد شهادته له وإكرامه إياه إلى اعتناق الإسلام فأبى، أما لغة الخصومة السياسية فى المشهد السياسى الراهن فلا تكاد تجد فيها إلا «عصير الكِبْر المصفّى».. والويل كل الويل لمن يسقط فريسة صاحب قلم أو شاشة أو منبر حزبى! والمطلوب ليس مناخاً ملائكياً لا وجود له إلا فى خيال الحالمين، كل المطلوب ألا يتحول المتوسط العام الإنسانى إلى «جحيم شيطانى» لا واحة فيه لكى يستظل متعب أو مصاب من سهام الكيد والتخوين، ولنتذكر أن الشيطان عندما أراد إغواء أبينا آدم أطلق على «الشجرة المحرمة» اسماً مغرياً هو «شجرة الخلد» وأوهم آدم وحواء أنهما إن أكلا منها فسينالان الخلود أو الملائكية، فلما أكلا بدت لهما «سوآتهما». وهو عندما أراد إغواءهما أقسم لها بأغلظ الأيمان «إنى لكما لمن الناصحين»، قال هذا وهو يعلم كما حكى القرآن أنه يخطط لإغوائهما: «فبعزتك لأغوينهم أجمعين»، والمسافة بين الإغواء والنصح المخلص هى المسافة بين حقيقة «الشجرة المحرمة» ووهم «شجرة الخلد»! والأمم فى لحظات الأزمات تبحث عمن يعينها على تلمُّس طريقها ومن يساعدها فى الاختيار وتلك مهمة النخب، وكم من أمة احتاجت إلى من يعينها على ذلك، ولو أن هذا الأمر هيّن لما أحصاه رب العزة وأنزله قرآناً يُتلى إلى يوم الدين. وهى قصة شاهد زور من بنى إسرائيل اشترى كبراء كفار مكة ضميره ليشهد للعامة من قريش بأن الإيمان ليس أفضل من الكفر، فقال: «هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً». وفى كثير من الحالات يكون منتج الخطاب الإعلامى ومنتج الخطاب السياسى أمام هذا الاختبار نفسه، وتكون كلمته أوقع تأثيراً من كل مصادر المعرفة الأخرى. ومع ضعف مجتمع السياسة وعزلة الأحزاب فى مواجهة سطوة مشهودة للإعلام يصبح أمام مسئولية تساوى هذه السطوة. وفى ظل غياب ميثاق شرف إعلامى سمعنا عنه كثيراً من السلطات المتعاقبة المنتخبة والمؤقتة فمن الضرورى الاستمرار فى طرح القضية، وبخاصة مع تكرار غلق قنوات ووقف برامج تليفزيونية، وفى كل مرة -تقريباً- يدافع مجتمع المهنة ومعه بعض المتضامنين عن الحرية الإعلامية ويتحدث خصومهم عن محظورات وضرورات ومحرمات. وما زال الدوار مستمراً، ولكن الدوار هذه المرة يكاد يتسبب فى تعثر وطن فى لحظة فارقة!