«الجن على» و«أبوالدهب» (2)
- الإمام الشافعى
- التخلص منه
- فهم الآخرين
- قيد الحياة
- والله أعلم
- آثار
- أجواء
- أحوال
- الإمام الشافعى
- التخلص منه
- فهم الآخرين
- قيد الحياة
- والله أعلم
- آثار
- أجواء
- أحوال
رغم ذكائه المفرط فى فهم الآخرين وعدم اطمئنانه إلى كل من حوله، إلا أن الطعنة أتته من أقربهم، من تلميذه محمد بك أبوالدهب. والمشكلة الأساسية التى يواجهها أمثال على بك الكبير أنهم مضطرون دائماً إلى الاستعانة بـ«ذراع يمنى» تساعدهم على تحقيق أهدافهم. ومن المهم أيضاً الإشارة فى هذا السياق إلى أن محمد أبوالدهب لم يكن له أن يحقق أهدافه فى وراثة عرش على بك إلا فى سياق مؤاتٍ. وقد تحقق هذا الشرط عندما اجتاح أمراء الحرب المحيطين بعلى بك شعور بالتعب والملل نتيجة الحروب المتتالية التى ورطهم فيها، كان طموح «الجن» كبيراً، وكلما أنجز خطوة كان يفكر فى الخطوة التى تليها، دون أى حساب أو تحسب لفكرة أن البشر تتعب وتكل، والنفوس إذا كلت ملت.
استغل «أبوالدهب» الظرف وتزعم حركة التمرد بين الأمراء، وأخذ العداء الكامن بينه وبين «الجن» يظهر فى العلن حتى وثب كل منهما على الآخر. فرّ «أبوالدهب» إلى الصعيد وأخذ يجمع الجنود والأمراء من حوله، واستعد بصورة كاملة لمواجهة حاسمة ومعركة فاصلة بينه وبين «الجن على»، كانت الغلبة فيها لصالح محمد أبوالدهب، واضطر على بك للفرار إلى الشام، حيث بقايا مماليكه هناك، وأخذ يرتب لإعادة الكرّة على خصمه، لكن الأمور جاءت أيضاً على غير ما يشتهى. ويبدو أن التشبع بالتحقيقات يصل بالإنسان إلى لحظة تراخٍ واهتزاز، والثقة المفرطة بالنفس تؤدى فى أحوال إلى الإهمال وعدم الاكتراث. تلك هى الحال التى وصل إليها «الجن» فى مواجهته الأخيرة مع «أبوالدهب».
فى ظل هذه الأجواء الجديدة والظروف المتعثرة أخذ على بك يعد العدة فى الشام ليسترد ملكه الذى استولى عليه «أبوالدهب». زحف «الجن» بجنوده نحو الصالحية، فخرج «أبوالدهب» لملاقاته، ونشبت بين الطرفين معركة كبيرة، كانت الغلبة فيها من جديد لـ«أبوالدهب» ومن معه، وأصيب «الجن على» بجراحات فى وجهه، وفقد سيفه، وأسره «أبوالدهب» وساقه إلى القاهرة فأنزله فى داره بدرب عبدالحق -كما يقول «الجبرتى»- فأقام سبعة أيام ومات، ويعلق «الجبرتى» فى «عجائب الآثار» على الواقعة قائلاً: «والله أعلم بكيفية موته».
الجملة التى ذكرها «الجبرتى» تقول وتسكت، وتثبت وتنفى، وتقدم وتحجم. فليس من المرجح أن يكون «الجن» قد مات متأثراً بالجراحات التى أصابته بوجهه فى معركة الصالحية، وليس من الوارد أن يحفظ «أبوالدهب» حياة خصمه اللدود بعد أن أصبح فى يديه، فلا يوجد صياد يسمح لفريسته بالبقاء على قيد الحياة بعد أن أصبحت بين يديه، الأرجح أن «أبوالدهب» تخلص من «الجن» حتى يخلص له الملك والسلطان، وبعد التخلص منه أقام له جنازة تليق بمقامه. يقول «الجبرتى»: «فغُسّل وكُفّن وخرجوا بجنازته وصلى عليه بمصلى المؤمنين فى مشهد حافل ودفن بتربة أستاذه إبراهيم كتخدا بالقرافة الصغرى بجوار الإمام الشافعى، ولله فى خلقه من قديم الزمان عادة، وانتظار الفرج عبادة، نسأله انقشاع المصائب، وحسن العواقب».. إنها دنيا الله.