محمد صلاح البدرى محمد صلاح البدرى أزمة إدارة الأزمات!!
الثلاثاء 17-07-2018 | PM 09:59

حريق كبير بأحد البساتين فى ولاية بوسطن الأمريكية.. وسوء تعامل الحكومة معه وقتها لأخطاء إدارية.. كان هو السبب الرئيسى الذى جعل البعض يدرك أهمية أن تتم دراسة ما ينبغى أن يحدث عند حدوث كارثة ما.. ووضع تصورات للحلول المتاحة وتشكيل فريق لعلاج ومتابعة الأزمة.. وقتها ظهر فى الأفق ذلك الشاب النحيل الذى يرتدى العوينات.. والذى يجعل الحياة بعده دوماً مختلفة عما قبله..! إنه توماس ليندمان!

لقد قدم «ليندمان» وقتها أول تصور لعلم إدارة الأزمات فى العصر الحديث.. ذلك العلم الذى احتل موقعه بين علوم الإدارة.. وأصبح الإلمام به وتطبيقه أمراً أساسياً فى كل المجالات.. لقد تطور ذلك العلم منذ ظهوره.. وما زال حتى اللحظات التى أكتب فيها هذه السطور.. وأصبحت إدارة الأزمات بنداً مهماً يضاف فى الخطط الاستراتيجية للدول..

أزمتان تعرضت لهما البلاد فى سويعات قليلة.. ربما أكثر مما اعتدنا فى الظروف الطبيعية.. أو أكثر مما نحتمل.. فمن انفجار محطة وقود بمصنع للبتروكيماويات بجوار المطار.. إلى حادث قطار البدرشين الذى انحرف عن مساره مخلفاً حادثاً جديداً فى نفس المنطقة المكلومة.. وفى كلتا الأزمتين تتباين أساليب التعامل.. وتختلف ردود الفعل الحكومية.. حتى إنك لا تستطيع أن تصدق أن من تعامل باحترافية مع إحداهما هو نفسه من تعامل مع الأخرى!

ففى الحادث الأول تجد العديد من الأقاويل المتناثرة.. والكثير من ساعات القلق التى تشكك فى نوع وسبب الانفجار.. حتى يحتاج الأمر لبيان عسكرى ليؤكد سلامة المطار ويطمئن الناس.. ويضطر مراسل تليفزيونى أن يخرج على الهواء مباشرة على شاشات التلفاز من قلب المطار ليؤكد انتظام حركة الطيران.. بينما تجد حادث البدرشين يدار بثقة واقتدار.. بل وتناغم بين أعضاء الحكومة ومتحدثيها الرسميين.. فتجد وزارتى التضامن والصحة فى موقع الحادث.. بينما تخرج البيانات الصحفية سريعة ومنضبطة وتحمل عدداً دقيقاً للإصابات وما تم حيالها..!

الأمر كان أوضح من التفسير.. فقد تم إدارة الأزمة الأولى بعشوائية واضحة.. ولولا تدخل القوات المسلحة وإصدارها بياناً منضبطاً لاستمرت الشائعات التى كانت ستضر البلاد بشكل لا يمكن قياسه أبداً.. بينما أديرت أزمة القطار بحنكة وخبرة.. وبفريق إدارة أزمات محترف يجيد التعامل مع الحدث ومع الإعلام..!

لقد أصبحت إدارة الأزمات علماً مهماً.. وتطور مفهومها ليصبح علماً أساسياً من علوم الدفاع والأمن القومى، له أسس وقواعد وأصول يبنى عليها.. بل ويتم تدريسها فى المعاهد الاستراتيجية والكليات العسكرية حول العالم كله.. ومنها أكاديمية ناصر العسكرية العليا فى مصر، حيث تدرس دورات لإدارة الأزمات وطرق التعامل معها.. وربما يحدد لنا ليندمان سبل حل الأزمة فى ضرورة توافر عناصر أساسية، أهمها تشكيل طاقم لإدارة الأزمة، ووجود مقر دائم لإدارة الأزمات، مزود بأحدث وسائل تكنولوجيا العصر فى الاتصالات، والقدرة على تخزين أكبر حجم من البيانات، مع أهمية الإعداد المسبق لسيناريوهات الأزمات المحتملة مستقبلاً، فضلاً عن تشكيل طاقم للتفاوض، وفقاً لطبيعة الأزمة، مع تعيين متحدث رسمى للتواصل مع الإعلام فى كل ما يخص تلك الأزمة، مع ضرورة الاحتفاظ بالدروس المستفادة من الأزمات السابقة، والرجوع إليها دوماً لتفاديها مستقبلاً، والتحديث الدورى للبيانات الموجودة فى مركز إدارة الأزمات كل ستة أشهر على الأكثر، وأخيراً، ضرورة التواصل المستمر بين الإدارة والمواطنين، بكل شفافية، ومصداقية، خلال مراحل تطور الأزمة.

الأمر لم يعد هزلياً.. وإدارة الأزمات فى ذلك الوطن المنهك لم يعد مقبولاً أن تتم بـ«البركة».. لذا فاقتراح أن يتم تشكيل فريق حكومى محترف مؤهل مهمته إدارة أى أزمة يمر بها الوطن ربما يكون مفيداً.. فلم نعد نحتمل المزيد من العشوائية.. لم نعد نحتمل أبداً!!

تعليقات الفيس بوك

عاجل