ذات يوم فى خمسينات القرن الماضى استطاع طبيب أطفال أمريكى «القبض على الأحلام»، واهتدى -قدراً- إلى أول مفتاح «بيولوجى» أمكن بناء عليه الإمساك بالأحلام التى كانت حتى ذلك الحين موضوع تخمينات وافتراضات، وكانت هذه المرة الأولى فى تاريخ الطب التى يستطيع البحث العلمى دخول عالم الأحلام بأدوات البحث التجريبى.
ورغم أن القصة مثيرة -وقد أوردتها فى كتابى: «مدخل إلى عالم الظواهر الخارقة»- فإن الأكثر إثارة كان انتقال التجارب إلى عالم الحيوان، حيث كشفت التجارب عن أن حيوانات كثيرة تحلم مثل البشر، وقد كانت القطط من أوائل الحيوانات خضوعاً لهذه التجارب، وتبين أنها -غالباً- تحلم بافتراس الفئران!
الطريف أن التجارب حاولت تقصى سبب تحرك أرجل القطط بشكل محدود أثناء الحلم، وقد افترض الأطباء أن تكون هذه الحركة متصلة بمحتوى الحلم فتتبعوا مسار الإشارة العصبية التى ترد من المخ لأطراف القطط فوجدوا أنها تمر فى المسار نفسه الذى تمر فيه الإشارة العصبية من المخ إلى أطراف القطط وهى مستيقظة عدا عقدة عصبية واحدة فقط. وبناء على افتراض أن تكون هذه العقدة العصبية هى النقطة التى يتم فيها تحويل الفعل الحقيقى إلى «رمزى» قام الأطباء بتدمير هذه العقدة العصبية، وكانت النتيجة أن قامت القطط التى تم تدمير هذه العقدة العصبية فيها بالأفعال الحقيقية نفسها التى تقوم بها وهى تفترس فى اليقظة!!
هذه التجربة الموحية المثيرة من القصص التى لا تفارق ذاكرتى بعد سنوات من دراسة عالم الأحلام والرؤى فى معامل البحث فى الغرب، لكنها كانت دائماً تساعدنى فى فهم بعض الظواهر السياسية فى عالم البشر، وكم من حالة فى تاريخ العلم كان التأثير متبادلاً بين الحقائق فى عالمى الإنسان والحيوان!
والمشابهة هنا بين ردود فعل فى عالم البشر تكون واضحة جلية -وأحياناً زاعقة- حتى يتخيل المرء أنها مبدئية لا تقبل المساومة ولا المواقف الرمادية، فإذا اختلفت اللافتات جاءت ردود الفعل كردود أفعال القطط النائمة!!
وتأمل عزيزى القارئ أمثلة لهذه الظاهرة القادمة من عالم القطط، من نوع: الإدانات الهامسة لانتهاكات حقوق الإنسان المتصاعدة قياساً بما كان عليه الحال خلال حكم السابقين مبارك ومرسى، وتأمل حالة الاحتفال والتسويغ التى تشبه الطوفان لاحتمال تولى عسكرى حكم مصر بعد سنوات من تأكيد أهمية الرئيس المدنى المنتخب لبناء دولة ديمقراطية، وتأمل حالة الصمت اللافتة إزاء الأنباء المتواترة من مصادر عدة حول احتمال منح قاعدة عسكرية لروسيا فى مصر مقارنة بأى كلام مقابل عن احتمال منح أمريكا قاعدة عسكرية فى مصر، وتأمل حالة التسامح الغريبة مع دعوات القتل والإقصاء والاجتثاث بحق المعارضين بعد سنوات من الدعوة والحوار والرعاية لضرورة تحول كل اللاعبين على ساحة السياسة إلى الخيار السلمى كمسار وحيد للتنافس السياسى!
تأمل وابحث معى عن العقدة العصبية المجهولة فى عقلنا السياسى التى أصبحت تحول أفعالنا من النقيض إلى النقيض، وتذكّر أن أحد أكثر التعريفات بساطة للعنصرية هو: «اختلاف الموقف من جريمة بناء على هوية الجانى أو الضحية»!
والوجه الآخر للظاهرة هو أن الحلم بمعناه المجازى هو فضاء لتمنى الأفضل، فضاء يحلّق فيه الإنسان بقوة خياله لا بقوة عضلات جناحه، فلو كان أفقه محدوداً بذلك لما دخل عالم الأحلام أصلاً. والأمم دائماً تحلم فتبنى عالمها كما تتمنى -حتى وهى على يقين من أنها لن تستطيع- فالحلم وسيلة للتجاوز وليس وسيلة لتبرير الواقع ولا تزويره، لكن بعض ما نسمعه من أحلام هو -للأسف- أكثر بؤساً من الواقع!
ومن يتوقف قليلاً أمام خطاب الملهوفين على حاكم يقمع ويفرم و«يضرب بالجزمة» يدرك إلى أى حد أصبحت أحلام البعض دليلاً على حالة احتقار للذات تعجز اللغة عن وصفها ولا تتناسب أبداً مع حالة الاعتزاز بالذات «المفرطة» على المستويين الفردى والوطنى!
والخطاب الذى يتمركز حول مقولة «إحنا حاجة تانية» له وجه نرجسى يرسخ فكرة أن تصورنا لما يجب أن تكون عليه الأمور فيما هو سياسى أو اجتماعى هو تصور عجائبى معجز ننفرد فيه بشىء لا تشاركنا فيه أمة من الأمم، على سبيل التميز طبعاً. والمثال الأكثر لهذا الخطاب ما يردده كثير من المثقفين من أن العلاقة بين الدولة والمؤسسة العسكرية عندنا «متفردة» ولا أدرى لم ولا كيف!
وفى المقابل يردد كثير من العامة هذا الخطاب ليستنتجوا منه الضد بالضبط، فمعنى «إحنا حاجة تانية» أننا لا نستحق الديمقراطية إما بدعوى الأمية أو المؤامرة الغربية التى ستدخل من ثغرة الديمقراطية أو الخطر على الدولة بسبب الطابور الخامس والإرهاب الإسلامى الذى سيهدم الدولة أو يغير هويتها.. أو كل هذا معاً. ومن المفارقات أن الدكتور حازم الببلاوى كتب مقالاً فى الأهرام فى 8/ 1/ 2006 يهاجم فيها هذه الفكرة بشدة، فإذا به وهو رئيس للوزراء يتعايش معها بشكل سلمى لطيف جداً!!
ومن يدرى فربما كشفت دراسات عن طبيعة الأحلام فى عالم الكلاب بعض ألغاز المتاهة المصرية، وعندها قد نكتشف العقدة العصبية المجهولة التى تحول الحقيقى إلى رمزى والمأمول إلى مرفوض و.....