«ما زلت أهاب الرجل حتى يتكلم».. عبارة كان كثيراً ما يرددها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ليعبر بها عن الطريقة التى يفضح بها الكلام «قلوب» و«عقول» البشر. وليست تلك هى المرة الأولى التى نرى فيها الرئيس المعزول «محمد مرسى» وهو يتحدث، أو نتصدى فيها لتحليل «مقاله»، لكن حديثه من مقر احتجازه والذى انفرد به صديقى الأستاذ مجدى الجلاد، يظل ذا مذاق خاص، لأنه الحديث الأول للرجل بعد عزله من الحكم فى (3 يوليو 2013)، ولأن الكثيرين كانوا فى حالة تشوق وتشوف للوقوف على الطريقة التى يفكر بها «مرسى» بعد أن أطاحت به الموجة الثالثة للثورة (موجة 30 يونيو) عن الكرسى. ولعل أهم ملمح يميز «المتحدث» الناجح هو القدرة على مفاجأة مستمعه بفكرة أو برأى أو برؤية أو بلفظ أو عبارة جديدة، وعندما يأتى الكلام خلوا من جديد، أو ترديداً لأفكار توقعها المستمع أو القارئ فإنه يشعر بالصدمة، وتصبح «هيبة» المتحدث فى هذه الحالة محل اختبار.
(شفرة مرسى)
القديم فى حديث مرسى داخل مقر احتجازه أكثر من الجديد، والمتوقع أكثر من المفاجئ. تعال أولاً نترجم كلام مرسى إلى أرقام، لنجد أن حديث «مرسى» تشكل من 14 موضوعاً أساسياً، وقد تباينت هذه الموضوعات فى معدلات ظهورها داخل «الحديث». فبدا بعضها مركزياً، يعكس أولويات تفكير «مرسى» داخل مقر احتجازه، وظهر بعضها الآخر هامشياً، يستدعيه وقت الحاجة، تبعاً للمسارات التى يتعرج إليها الحوار بينه وبين «مُحدِّثه». تمثلت الأفكار أو الموضوعات المركزية داخل الحديث فى: التأكيد على أنه رئيس الجمهورية (تكرر 7 مرات)، والاحتجاج بدستور 2012 المعطل (تكرر 7 مرات)، ثم مظاهرات 30 يونيو وما ترتب عليها من نتائج (6 مرات)، ثم الحديث عن أن مصر تحترق بعد «مرسى» (4 مرات). تظهر بعد ذلك مجموعة من الموضوعات بمعدلات متوسطة، وتشمل: الموقف من المؤسسة العسكرية (3 مرات)، والموقف من القضاء (3 مرات)، ومن الموضوعات التى تطرق إليها «مرسى» بصورة هامشية: موضوع فض اعتصام رابعة (مرتين)، انتماء مرسى إلى الإخوان (مرتين)، ثم الموقف من حكومة هشام قنديل (مرة واحدة)، والتفاوض بين الجماعة وأطراف السلطة المؤقتة (مرة واحدة)، والاعتراف بوجود أخطاء فى أدائه (مرة واحدة).
(عقلية النعامة)
تلك هى خريطة عقل الرئيس «المعزول»، وهو يتعاطى مع أحداث ما بعد 30 يونيو، فعقله يرفض الاستسلام لفكرة أنه خرج من قصر الرئاسة، وأنه لم يعد رئيساً لمصر، وما أكثر ما قفز على هذه الحقيقة فى حديثه، وانطلق إلى الكلام عن صلاحياته كرئيس للدولة فى التعامل مع الوزراء ومطالب الشعب وإدارة شئون البلاد وحفظ أمنها، ويتناغم مع هذه الفكرة الاحتجاج المستمر بدستور 2012، وعدم التسليم بتعطيله، وأنه طبقاً لهذا الدستور لم يكن له أن يستسلم لفكرة الاستفتاء على منصب رئيس الجمهورية أو يجرى انتخابات رئاسية مبكرة. يقفز فى عقل «مرسى» بعد ذلك موضوع «مظاهرات 30 يونيو»، ويبدو عقله شديد الارتباك وهو يتفاعل مع هذا الموضوع، ففى مواضع معينة من «الحديث» تجده معترفاً بنزول الناس ضده، لكنه سرعان ما يتحدث عمن ينزلون لتأييد عودته للحكم الآن (من أعضاء جماعة الإخوان)، ويضيف إلى ذلك الإشارة إلى أن المصريين الذين نزلوا فى 30 يونيو لم يمكثوا فى الشارع كثيراً وعادوا إلى بيوتهم فى الواحدة صباحاً، ولم يمكثوا للاعتصام فى الشوارع، ثم كان أن «انقلبت» -على حد تعبيره- المؤسسة العسكرية عليه، والنتيجة أن مصر الآن «تحترق»، كما يزعم «المعزول». وتؤشر مجموعة الأفكار المركزية التى تتسكع فى رأس مرسى، عند تقييم ما حدث بعد 30 يونيو، إلى أننا أمام «عقلية نعامية» بامتياز. أقصد عقلية تسلك مسلك «النعامة» أمام المخاطر عندما تدفن رأسها فى الرمال لترى العالم فى ذاتها، ويعميها الرمل الذى دفنت رأسها فيه عن رؤية ما حولها.
(مالك الحزين)
ورغم حالة الانطلاق التى تميز بها «المعزول» عند تناول مجموعة الأفكار المركزية السابقة، التى تشكل نقاطاً بارزة فى تفكيره حالياً، فإنه يبدو بطيئاً متردداً «متلجلجاً» عندما يتطرق الحديث إلى مؤسستين أساسيتين من مؤسسات الدولة، هما: المؤسسة العسكرية ومؤسسة القضاء. إن عقله هنا لا يتقمص قميص «النعامة»، بل قميص «مالك الحزين»، ذلك الطائر الذى كان يبدو قديراً فى التماس الحكمة للآخرين، فى حين يعجز عن التماسها لنفسه، فيورده ذلك مورد الهلاك. يحاول أن يبدو «مرسى» عقلانياً وهو يتحدث عن تحرك وزير الدفاع لإقالته يوم 3 يوليو (لم يذكره اسماً فى حدود ما سمعته وما قرأته). انظر إليه على سبيل المثال وهو يحلل موقف الفريق «السيسى» منه يوم أن نصحه بالانصياع لمطالب الشعب بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، حين يقول: «هو بيقول -يقصد «السيسى»- أنا قلت للرئيس مرسى نصيحة.. طيب.. افرض إن اللى كان قال لى كده أو قال لى النصيحة وزير الإعلام مثلاً أو وزير الآثار.. كان هيعمل إيه بقى؟!.. يعنى نصحنى وأنا رفضت آخد بالنصيحة.. كان هيعمل إيه وزير الآثار؟!.. يسأل نفسه.. ثم يجيب: ما كانش هيعرف يعمل حاجة». هذا الكلام يبدو منطقياً فى ظاهره، مضحكاً فى باطنه، فهل من الممكن أن يتساوى وزير مسئول عن مؤسسة ظلت تحكم البلاد لمدة ستين عاماً، وتتمتع بكل معطيات القوة، مع مؤسسة مثل الإعلام أو الآثار؟ وهل كان «مرسى» يقضى الوقت بعد أن وصل إلى كرسى الرئاسة فى 30/6/2012 فى التفكير فى الإطاحة بوزير الإعلام أو الآثار، أم كان يفكر ويدبر للإطاحة بوزير الدفاع (المشير طنطاوى) ورئيس أركان حرب الجيش المصرى (الفريق عنان). والأمر نفسه ينطبق على القضاء، فقد كان «مرسى» شديد التحفظ وهو يتحدث عن الرئيس المؤقت عدلى منصور، الذى تولى منصب الرئاسة بحكم موقعه كرئيس للمحكمة الدستورية. يقول «المعزول» عنه: «رئيس المحكمة الدستورية مع احترامى لشخص المستشار عدلى.. أنا عارفه من زمان.. حط نفسه فى موقف فى الحقيقة مسىء جداً للقضاء.. يعنى أنا أقبل تجميد الدستور اللى هوه مبرر وجودى أنا.. دى المحكمة الدستورية مهمتها الأولى إيه؟ هى مراقبة القوانين دستورياً.. دستورية القانون.. مش كده؟.. طيب لمّا يبقى مفيش دستور.. ثم أُصدر أنا إعلاناً دستورياً تلتزم به الدولة.. مصر بعد العمر كله ده.. وفيها ناس بيفهموا فى القانون والتشريع.. إزاى.. مشكلة!». يلتمس «مرسى» فى هذا الحديث الحكمة لغيره فى حين يعجز عن التماسها لنفسه، فهو ينسى أنه أصدر إعلاناً دستورياً (22 نوفمبر 2012) وضع فيه كل السلطات فى يده، وأساء من خلاله إلى القضاء، وحتى آخر خطاب له عبر «مرسى» عن عدم احترامه للقضاء، عندما اتهم أحد القضاة -بالاسم- بتزوير الانتخابات.
إذن لسان «مرسى» كان «يتحجج» عندما يتحدث عن نفسه كرئيس شرعى للبلاد.. وكان «يتلجلج» عندما يتطرق الكلام إلى المؤسستين العسكرية والقضاء، والواضح أنه يخشاهما، بحكم أنه كان يتحدث وهو فى قبضة الأولى (الجيش)، ويدرك تماماً أنه عما قريب سيكون فى قبضة الثانية (القضاء). وكان لسان المعزول «يتردد» عندما يتناول مجموعة الأفكار التى تقبع على هامش تفكيره، وأبرزها: فض اعتصام رابعة، والاغتيالات السياسية، وانتماؤه إلى جماعة الإخوان المسلمين. ولست أستغرب فى انخفاض معدل اهتمام «مرسى» بهذه الموضوعات، فهو لا يرى فى ضحايا فض اعتصام «رابعة»، أكثر من أرقام لبشر استخدموا كوقود للحرب المقدسة التى أشعلها مع جماعته، من أجل استرداد السلطة، وفى ظل حرصه على التأكيد على أنه الرئيس يتردد فى الحديث عن سعيه المحموم إلى تمكين جماعة الإخوان، ويؤكد فى هذا السياق أن استعانته بالإخوان أو بأفراد من حزب الحرية والعدالة -الذى رشحه فى الانتخابات الرئاسية- أمر طبيعى لا يعيبه، لكنه لم يستطع أن يفلت وهو يتحدث عن الشيخ «حسن البنا» من التأكيد على انتمائه الإخوانى، وكان ذلك فى معرض تناوله لدور إسرائيل فى الوقوف وراء ما يحدث فى مصر بعد 3 يوليو، وأنه كما دفع «البنا» حياته ثمناً لمشاركة الإخوان فى حرب 1948، يمكن أن يدفع «مرسى» حياته -اغتيالاً- الآن بإيعاز من إسرائيل. وبعيداً عن عشق «مرسى» -شأنه شأن إخوانه- لفكرة التماهى مع شخصية «حسن البنا» المؤسس الأول للجماعة، فإنه يقفز على الكثير من الحقائق التاريخية التى اقترنت باغتيال «البنا» والعديد من الحقائق الواقعية الحالية التى تتعلق بعلاقته بإسرائيل خلال عام واحد من حكمه، وينسى أنه صاحب عبارة «الصديق الوفى» فى رسالته الشهيرة إلى الرئيس الإسرائيلى.
(حافظ مش فاهم)
ونحن بصدد تحليل خطاب «مرسى» فى مقر احتجازه نجد أنفسنا أمام عقلية يمكن وصفها بـ«الكسولة»، من أهم ملامحها أنها: ترتبط بإنسان لا يجتهد فى التفكير، بمعنى أنه «حافظ مش فاهم»، مغرور ينظر إلى نفسه كـ«مهدى منتظر»، يمتلك القدرة على تخليص العالم من شروره، وعندما تواجه هذه العقلية مأزقاً فإنها تلجأ إلى حيل «الحواة» فى محاولة لقلب الحقائق. والسمة الأخيرة لهذه العقلية تعبر عن نتيجة تترتب على هذه السمات الثلاث وتتمثل فى «الهروب من الواقع».
«مرسى» شخص «حافظ مش فاهم»، فمثله مثل أهله وعشيرته من أفراد جماعة الإخوان، يردد كل ما يقولونه فى وصف الواقع، ويقفز على نزول الملايين إلى الشوارع فى 30 يونيو، ويستغرق فى الكلام عن قتلى الإخوان فى فض اعتصام رابعة، مستخدماً نفس الأرقام التى تتداولها الألسنة الإخوانية، بالإضافة إلى التمحك بدستور 2012 المعطل، وغير ذلك من أمور تعكس حالة «التنميط» التى يعيشها كل من انتمى أو ينتمى إلى الجماعة، وعلى رأسهم الرئيس «المعزول». فهو يحفظ مجموعة من العبارات يجتهد فى ترديدها مثل «الببغاء»، حتى ولو لم يفهم لها أى معنى، وعندما يسأله أحد خارج ما يحفظه يحاول الإفلات من الإجابة أو يجيبه خارج الموضوع، إنه يردد ما يحفظه، تماماً مثل الطالب البليد الذى يقدم لك إجابة غير ذات علاقة بالسؤال.
ويرى «المعزول» فى نفسه «مهدياً منتظراً» كان يريد أن يصلح مصر، لتصبح أكثر اعتماداً على نفسها، وأن خوف الأعداء من قدرته الفائقة على تحقيق هذا الهدف جعلت الجميع يتحالفون ضده من أجل إفشال تجربته، وأن النتيجة التى سوف تترتب على عدم عودته إلى الحكم من جديد ستكون «حرق مصر»، فما أكثر ما ردد عبارات دالة على هذه المعانى فى حديثه من مقر احتجازه، مثل: «أنا كنت عايز أجنب البلاد مصيبة كبرى ممكن تقع.. وأهى بتقع». ولو أنك واجهت «مرسى» بإخفاقاته فى إطار تجربة حكم تلونت بلون الفشل، فإنه سوف يروغ منك كما يروغ الحواة الذين يحفظون مجموعة من الألعاب التى حفظها الناس ولم تعد تثير دهشتهم أو تستنفر إعجابهم بسبب حفظهم لها، لذلك يبدو «المعزول» فى كل الأحوال مثل «الحاوى المفلس». انظر على سبيل المثال إلى حواره مع كاترين أشتون حول مظاهرات 30 يونيو: «نظرت إليه كاترين أشتون بدهشة».. وسألته: لقد نزل إلى شوارع البلاد الملايين من المصريين للمطالبة برحيلك و«الإخوان».. كان لا بد أن تستمع إليهم.. هذه هى الديمقراطية. رد محمد مرسى عليها قائلاً: نعم لقد خرج الملايين.. هم يقولون 30 مليون شخص.. إذن كانوا انتظروا الانتخابات البرلمانية الجديدة.. طالما معاهم 30 مليون شخص.. لأن الذى معه 30 مليون مواطن يكسب أى انتخابات برلمانية، ثم يعود «مرسى» ويقول: الناس تركت الشوارع يوم 30 يونيو الساعة واحدة بالليل أى صباح 1 يوليو». فالهروب من الواقع لدى «مرسى» هو أقصر الطرق لتناول أى قضية من القضايا، وهو درس تعلمه من الجماعة التى تربى فيها، التى يأتى درس الهروب من الواقع -بذريعة الاستعلاء عليه- على رأس الدروس التى يلقنها المنتمى إليها.
مرسى فى حديثه من مقر احتجازه بدا «ببغاء» يردد ما يحفظ، يحاول أن يعيش دور «الغراب» حين يتقمص دور «المهدى المنتظر»، فتجده يحجل فى مشيته مثل «الغراب»، لأنه فكر ذات يوم أن يسير مثل «الطاووس»، فلم يحصّل مشيته الأساسية ولا تمكن من أن يكتسى بريش «ملك الطيور»!