كلمتين وبس!

«لن أسمح تحت أى ظرف من الظروف أن يعتدى أحد على شبر واحد من أرض مصر.. مش حيعدى 24 ساعة إلا ما أكون أخدت حق بلدى بإيدى.. وعندى القدرة الكافية على هذا».. ما سبق فقرة من تصريح للمخلوع «مبارك».. وتلك فقرة من التصريح الأخير للدكتور «محمد مرسى» عشية استشهاد جنودنا فى سيناء: «غداً سيرى هؤلاء -يقصد القتلة- كيف يكون رد الفعل على هذا الإجرام».. تعددت الأسماء والموعد واحد (24 ساعة ويصل الرد للعدو).. تعددت الأسماء والفعل واحد (مجرد كلام)، فرغم البون الشاسع بين كل من المخلوع، والمتربع الآن على سدة الحكم، إلا أن الأداء واحد. فعلى مدار ثلاثين عاماً من حكم المخلوع استشهد العديد من أبنائنا فى سيناء برصاصات إسرائيلية، ومن استطاع منهم أن ينال من عدوه ليودع فى السجن، اغتيل وراء قضبانه، كما حدث مع سليمان خاطر. وتولى «مرسى» الحكم وواصلت عجلة الاستشهاد عدوها بسرعة أكبر ودهست فى طريقها المزيد والمزيد خلال فترة زمنية قصيرة جداً!. حدث هذا ووقع ذاك، وكان وعد الساعات الأربع والعشرين حاضراً فى الحالتين، لكنه وعد لا يجىء، وساعات لا تنتهى. فالدم أصبح ماء. وهناك فى الحياة بشر تفكيرهم مثل الماء، بلا لون ولا طعم ولا رائحة. وإذا كان بيد هؤلاء أمر مجموعة محدودة من الأفراد فالضياع مصيرهم، أما إذا غضب الله على شعب، وجعل هذا اللون من البشر حكاماً عليه، فبشره بالويل والثبور وعظائم الأمور!. فهذا الصنف من الحكام لا يملك سوى الكلام «المعسّل»، وبذل الوعود الزائفة، فأمام أى حادث لا يفتح الله عليهم إلا بالتصريحات، يكيلونها فى آذان شعوبهم، معتمدين على الذاكرة البشرية المثقوبة التى تتسرب منها الأفكار والوعود كما يتسرب الماء من بين أصابع اليد. فمهما كانت قسوة الحدث فإن الأيام تتكفل بتذويبه ونسيانه، وعلى ذلك تتّكل تلك الفصيلة من الحكام، فصناعة الكلام هى الصناعة الوحيدة التى تنمو فى فترات حكمهم، وأظن أن أكثرهم ضل الطريق إلى الإذاعة والتليفزيون، وربما كان اتجاه الدكتور محمد مرسى رئيس الجمهورية إلى تقديم برنامج إذاعى فى رمضان، بعنوان «الشعب يسأل والرئيس يجيب»، وعزمه على تقديم برنامج حوارى أسبوعى فى التليفزيون ليتواصل من خلاله مع الشعب، دليل على رغبته فى تصحيح المسار، ليعود إلى تخصصه الطبيعى كـ«مذيع»!، يبيع للناس كلاماً لطيفاً يشنف آذانهم و«يسطل» عقولهم و«يخرم» ذاكرتهم. فأمام الشاشة أو الميكروفون تتسع المساحة للوعود، وتحديد المواقيت بالساعة واليوم والأسبوع والشهر. وحسناً فعل الرئيس حين بدأ مشواره الإعلامى كمذيع فى الراديو، وليته يستفيد من تجربة الراحل «فؤاد المهندس» فى برنامجه: «كلمتين وبس»!.