سؤال مهم يؤثر بشكل كبير فى رؤيتك للآخرين وللعالم، وفى مرحلة تالية تؤثر إجابة هذا السؤال فى اختياراتك بشكل ربما لا تدركه ما لم تخضعه يوماً لشىء من التأمل والتحليل. والثقافات المتشبعة بفكرة المؤامرة غالباً تركز بصرها على الآخر أكثر من «الأنا»، يعنى ببساطة ومن غير تجريد وتنظير هى ثقافة قاعدتها المخالفة الصريحة للنصيحة النبوية الكريمة بأن ننشغل بعيوبنا عن عيوب الآخرين! صحيح أن ما ينطبق على الأفراد يختلف عما ينطبق على الجماعات والدول بدرجة أو أخرى، لكن القاعدة العامة تظل صحيحة إلى حد بعيد: كلما سيطرت عليك المؤامرة كان تركيزك على عيوب الآخرين فى متوالية تبدأ بالتفتيش ثم التضخيم، فإن لم تجد لجأت إلى الاختلاق، ومن هنا جاءت فكرة «الصورة النمطية» التى تكون فى حالات كثيرة «كوكتيل شر» يحل فى الذهن محل الصورة الطبيعية بميزاتها وعيوبها. وقد كتبت قبل سنوات مقالاً نشرته «الدستور» المصرية عن خطر فكرة «الحقد المقدس» كان عنوانه «الحقد سلاحاً للدمار الشامل»، وفيه تحدثت عن عدة ظواهر كان بينها العداء الأيديولوجى للولايات المتحدة ومخاطره، وتلقيت اتصالاً لا أنساه من الصديق العزيز حسام تمام، رحمه الله، وكان عاتباً وغاضباً. وطال النقاش بيننا وسألته عن رأيه فى دور الولايات المتحدة الأمريكية فى بناء اليابان وألمانيا وكيف أنها، وهى قوة احتلال، لم تقم بـ«أَمْرَكِة» أىٍّ منهما أو دفعها دفعاً للتخلف، وكانتا قبل قليل فى حالة حرب معها، فاشتد غضبه وقال: «إحنا حاجة تانية»!
وأنهيت الحوار ضاحكاً ومتذكراً قول الشاعر العربى فى وصف قومه:
وإنـا أنـاس لا توســط بيــنـنـا
لنا الصدر بين العالمين أو القبر!
فقال لى: نعم، نحن أناس لا توسط بيننا. وانتهى اللقاء ونحن مختلفان ولكن ونحن نتبادل الضحكات.أما الآن، فإن هذا الشعور بالتفرد والتطرف قد أثمر ثمرة أخرى رصدها تقرير مهم للزميلة ياسمين حسين، بثته وكالة رويترز للأنباء، وعنوانه «الصوت الثالث غائب فى ظل مشهد سياسى منقسم فى مصر» (12/ 11/ 2013)، التقرير يتحدث عن أن «الموقف الوسطى» أصبح «لا محل له من الإعراب فى مصر»، بحيث صار «كل من يرفض دعم أى طرف فى الخلاف دعماً مطلقاً خائناً فى نظر الاثنين»! وحسب التقرير «أجبرت أساليب الاستقطاب القائمة على فكرة (إما معنا أو علينا) المصريين فى المنطقة الرمادية على الاختفاء إلى حد كبير من المشهد السياسى.. ويزيد هذا من خطر إراقة المزيد من الدماء»، «وتوارت الأصوات الوسطية فى وسائل الإعلام المصرية التى تمجد الجيش وقائده الفريق أول عبدالفتاح السيسى»، «ودفع عدم وجود أحزاب سياسية ذات قواعد راسخة تشجع على مناخ سياسى تعددى السياسيين الوسطيين أيضاً إلى الخلفية». وحسب عماد شاهين أستاذ العلوم السياسية فإن «وسائل الإعلام المصرية ضمنت إسكات الأصوات الوسطية»، وفى عبارة ساخرة ومؤلمة معاً لخص الدكتور شاهين المتاهة، أهم ما فيها فى تقديرى قوله: «وإذا كنت تؤيد الديمقراطية فأنت طابور خامس. هكذا تحسب الأمور».
التقرير فيه تفاصيل كثيرة تستحق القراءة، لكنه مؤشر على حالة مقلقة، وبخاصة أنه بعد قليل جاء مانشيت الأهرام الرئيس ليؤكد أن فزّاعة «الطابور الخامس» لم ينتهِ تاريخ صلاحيتها بعد!
وتكريس مقولة «الطابور الخامس» بهذا الشكل المتكرر يغذى لدى كثير من العامة، الذين يستقون النسبة الأكبر من ثقافتهم السياسية من الإعلام، وهم الأغلبية الكاسحة، قناعة بأن يداً خفية شريرة قوية تخطط لتدمير مستقبلهم بشكل أسطورى، وعندئذ لا بديل عن إطلاق يد الأجهزة الأمنية واعتماد الخيارات الأمنية، وعندئذ تتآكل الديمقراطية والرغبة فيها وتحل محلها رغبة فى شىء واحد؛ الاستقرار! وقد بُحَّت أصوات بعض المثقفين من التحذير من هذا المسار دون جدوى -حتى الآن- فلا معيار أخلاقياً ولا مهنياً ولا قانونياً ولا سياسياً يتم الاحتكام إليه لوقف دعوات التحريض والتفتيش فى النوايا وتوزيع الاتهامات، ولا مؤشر على تحرك من جهة رسمية أو مهنية يبدو أنه وارد فى الأجل المنظور لوضع الخطابين السياسى والإعلامى تحت سقف أى ضوابط. وهناك أشكال متعددة من المساءلة تعرفها الديمقراطيات المختلفة سواء كانت وليدة أم مستقرة، والإحجام عن الضبط مؤشر أخطر ألف مرة من وجود الانفلات. والإعلام بصفة خاصة يرسخ لدى مستهلكيه -بلا رحمة- فكرة أنهم مستهدفون بشكل يتجاوز المعقول، وهؤلاء، بالتالى، من الطبيعى أن يحاولوا الاحتماء بـ«القوة» بدلاً من الاحتماء بــ«القانون»، وهذا معناه أننا -بقصد أو دون قصد- نحكم بالإعدام سابقاً على «دولة مؤسسات» حلمنا بها كثيراً وما زالت قيد التشكل، والمناخ السائد أصبح أقرب إلى منحدر يتدحرج عليه مستقبلنا إلى أسفل دون كابح. والمسئولية -فى الحقيقة- مشتركة بين الأطراف جميعاً، فالتعلق بمطالب مستحيلة يجعل المطالبين بها يملأون المسافة بين الممكن والمستحيل بـالسخط والعنف، والمشهد بعد رفع حالة الطوارئ يبدو مرشحاً لمزيد من التصعيد والدفع المتبادل بالبلاد إلى حافة الهاوية، فالحل السياسى ضرورة للجميع، ولن يكون بالإمكان أبداً التفاؤل بمستقبل نظام سياسى يساهم بنفسه -وهو بعدُ فى مرحلة التكوين- فى خلق مسار «مناهض» له!