الدم على الأرض.. خريطة

كم ضابطاً وجندياً ينبغى أن يموت لتستعيد مصر عافيتها واتزانها وهيبتها؟. كم سرادق عزاء يكفى لتستعيد مصر ضحكتها وروحها المرحة وخفة ظلها؟. كم موتاً يكفى لتستعيد مصر حياتها الطبيعية؟. المصريون الآن ينامون على موت ويستيقظون على موت. بين الشهيق والزفير يموت جندى هنا وضابط هناك. بين وجبة الإفطار ووجبة الغداء.. بين الخيط الأبيض والخيط الأسود.. بين أول كل مقال وآخره.. بين صيحة «الله أكبر» ويقين «لا إله إلا الله» فى كل أذان.. بين طابور الصباح وحصة الألعاب فى كل مدرسة.. بين ضربة الفأس وأنين الأرض فى الغيطان.. بين ابتسامة الشهيد واحتقان وجه حامل النعش فى كل جنازة: يفقد شرفاء الجيش والشرطة مهنتهم المقدسة: «الموت»!. يقضون بقية أعمارهم فى الآخرة، بين فرحهم بلقاء ربهم وحسرتهم على أنفسهم وقد أصبحوا «بلا وظيفة»!. كانت خريطة مصر على وشك أن تتمزق. كانت جماعة الإخوان تخطط لبيعها قطعة وراء قطعة. كانت تجتهد وتناور و«تتشطر» لترفع سقف «الخيانة» بصورة لم يعرفها المصريون طوال تاريخهم، وكان الجيش -بكل رهافة حسه الوطنى وثبات عقيدته- حائط الصد الأخير.. فاستهدفته، واستحلّت دماء جنوده وضباطه. لكن الذى لا يعرفه كهنة هذه الجماعة الإرهابية أن مصر تخصّب ترابها بدماء هؤلاء النبلاء، وأن دماءهم هى التى تحفظ لخريطة مصر تماسكها وهيبتها. أصبح الموت فى حياة المصريين طعاماً يومياً. أصبح يمشى إلى جوارهم ويتحرك بينهم بكل حرية. أصبح خبراً عادياً لا يثير فضولاً ولا حزناً ولا قلقاً، بل يزيدهم عناداً وإصراراً على هزيمته. كان الموت عندما كانت إسرائيل عدواً تقليدياً (ولا تزال بالطبع).. قدراً وامتحاناً. أما وقد أصبح الإخوان أشد عداوة للمصريين من إسرائيل، فإن الموت لا يعدو أن يكون خلاصاً أو براءة من ذنب!. نحن الذين سكتنا على هؤلاء القتلة، الخونة، حتى تحولوا إلى ورم خبيث لا بد من بتره. وقال لى صديق إن مصر أجرت جراحة ناجحة فى 30 يونيو، وكل ما حدث ويحدث من يومها «توابع» أو مضاعفات. مصر نزفت كثيراً، وستظل تنزف، وليس أمامها سوى أن تتألم وتبكى وهى تنظف جرحها، فكم جندياً وضابطاً ينبغى أن يموت قبل أن تستعيد عافيتها؟. أتأمل صور ضباط الجيش والشرطة وأتحسر على خروجهم المبكر وغير الآمن من الدنيا. أسأل صديقاً منهم: هل أنت محبط؟.. فيقول: «بالعكس.. أنا شغلتى أموت». أفكر فى حال زوجاتهم وأبنائهم وقد «تعرّوا» من «ونس» رب البيت: ما الذى يعوضهم؟. أتأمل صور الجنود الغلابة: المتزوج حديثاً والذى يقف على عتبة الدنيا.. الذى يحلم بفرصة سفر بعد انتهاء خدمته، والذى «عزق» الأرض وتركها تنتظر أن يبث فى رحمها قبساً من روحه البريئة.. الذى وضع دبلة الخطوبة فى إصبع ابنة عمه ويقرأ القرآن وهو قابع فى برج المدرعة، وبين كل آيتين يتذكر ليلة زفافه فيبتسم، أتأمل صور هؤلاء وقد عادوا إلى ذويهم فى صناديق يلفها علم مصر، فأسأل نفسى: كم ضابطاً وجندياً ينبغى أن يموت ليتوقف أطفال الشوارع الذين يسمون أنفسهم «ثواراً» عن الهتاف ضد جيش مصر وشرطتها؟. كم ضابطاً وجندياً ينبغى أن يموت ليتأكد المصريون من أن بلدهم عاد إليهم معززاً مكرماً، غير منقوص؟. كم ضابطاً وجندياً ينبغى أن يموت لكى نسمع ليبرالياً يتحدث -مرة واحدة- عن ضرورة التمييز بين دم القاتل ودم الضحية؟. كم ضابطاً وجندياً ينبغى أن يموت ليدرك نحانيح الدولة المدنية أن «الفاشية» فى حرب طاحنة كالتى تخوضها مصر.. ليست شراً مطلقاً؟. كم ضابطاً وجندياً ينبغى أن يموت لتدرك حكومة الببلاوى أنها فاشلة وعاجزة وتستحق الحرق؟.