تبلُّد «الحس التاريخى»!

ممدوح الشيخ

ممدوح الشيخ

كاتب صحفي

فى مسار الأمم دائماً مفترقات طرق تختار فيها «أى الجسور تعبر.. وأيها تحرق» ومن هذه الجسور ما هو تكتيكى آنى جزئى نفعى يمكن الاختيار فيه بناء على «نظرة النملة»، ومنها ما هو استراتيجى كلى شامل ممتد الأثر فى الزمان، وهذا يمكن الاختيار فيه بناء على «نظرة الطائر». وعلاقات مصر الدولية تحكمها النظرتان، حيث تفرض القيم ورهانات المستقبل البعيد خيارات، فيما تفرض المصالح خيارات أخرى، وفى الحالتين تلعب القيم دوراً يصغر أو يكبر. والعلاقات المصرية - الأمريكية فى الحقيقة أحد أهم الملفات فى العلاقات الدولية لمصر منذ ظهرت للمرة الأولى فى الشرق الأوسط، ويؤرخ الأمريكى جيفرى أورنسون لهذا الحضور فى كتابه «أمريكا تخرج من الظل» بالعام 1946، وبدءاً من يوليو 1952 بدأ فصل جديد يراد له أن يظل دائماً ساقطاً من الذاكرة الوطنية، حيث كانت العلاقات المصرية - الأمريكية حتى حادث غزة الشهير (1955) دافئة، ربما أكثر مما ينبغى! والمثير أن العلاقات التى يستحضرها المصريون دائماً من ذاكرة ما يسمونه -توهماً- «الزمن الجميل» بوصفها علاقة مواجهة واختلاف فى المصالح والقيم، والأهم القيم. لكن الحقيقة كما تعكسها عبارة مهمة جداً أوردها «أورنسون» فى كتابه مختلفة تماماً، ففى عام 1952، وكانت إسرائيل آنذاك تأسست، قال السفير المصرى فى واشنطن حرفياً: «من الأكيد أن مصر بحكم أيديولوجيتها إنما هى حليف طبيعى للدول الغربية الحرة. وبالطبع فإننا من الناحية الفعلية نقع فى أفريقيا كما أن النيل شريان الحياة لمصر يستمد مياهه من قلب القارة فى إثيوبيا والسودان. إلا أن ثقافتنا إنما تقوم على الحضارتين الإغريقية/ الرومانية واليهودية/ المسيحية/ الإسلامية اللتين منحتانا مصلحة حقيقية فى قضية الحرية والديمقراطية، فباعتبارنا أمة تؤمن بصورة راسخة بالله والملكية الخاصة، فإننا نعارض العقائد الشيوعية القائمة على الإلحاد والمادية الجماعية». وليضع القارئ ما يراه هو كافياً من علامات التعجب. ذلك أن سفير مصر الناصرية هو من يصف الاتحاد السوفيتى بالإلحاد والمادية الجماعية، وربما لو استخدم هذا القاموس السياسى نفسه من طرف آخر ينسب نفسه إلى مرجعية دينية لكان الرد عاصفاً. وطبعاً أدعو كل الأصدقاء الشيوعيين المصريين أن يسمعونا صوت احتجاجهم دون مواربة على هذا الكلام الذى ينعت المرجعية الفكرية لفصيل سياسى وطنى بــ«الإلحاد».. لكن ما علينا. المهم هنا أن هذا الكلام الذى أؤيده تمام التأييد حرفاً حرفاً، وأؤكد أنه حتى هذه اللحظة الخيار القيمى الذى يمثل منظومة قيمنا المغيبة عمداً، هذا الكلام الوجيه، أثبتت الأيام أنه مجرد كلام. فالسياسة المصرية سرعان ما استدارت للتحالف مع القطب الدولى الذى قالت قبل قليل إن عقائده ملحدة، ولا أدرى هل حدث هذا بناء على قناعة بأن «المصالح» أهم من «القيم»؟ أم بأن القيم مجرد كلام فارغ نحاول أن نضحك به على شركائنا الدوليين؟ وطبعاً فى معظم الأحوال ننجح فى الضحك به على الشعب المسكين! أم بناء على أن الإلحاد كان قبل حادث غزة حليفاً مرفوضاً ثم أصبح بعدها حليفاً تاريخياً؟ والعلاقات المصرية - السوفيتية صفحة تثير مشاعر اعتزاز، أُفضل ألا أصفها، عند جماهير واسعة، وتثير فى الوقت نفسه أسئلة لا تزال معلقة حتى اليوم، فالتأثيرات السياسية لهذا التحالف على النظام السياسى الناصرى وتنكّره التام للديمقراطية حتى لو كانت شكلية يرجع إلى أسباب عدة، أحدها هذا التحالف الوثيق مع واحد من أحط النظم الاستبدادية فى التاريخ الحديث. فإلى أى حد ساهم التحالف السوفيتى الناصرى فى حرمان المصريين من الديمقراطية؟ وهل حدث أن تحالف السوفيت مع أى دولة غير شمولية؟ والخيار الذى تبناه «عبدالناصر» بدءاً من عام 1955 لم يفتقر فقط إلى الفهم الأكثر عمقاً للعلاقات الدولية بل افتقر إلى أمرين خطيرين: الأمر الأول، أنه افتقر بشكل مزرٍ إلى الحد الكافى من الاتساق مع القيم التى تحدث عنها السفير المصرى فى العبارة سالفة الذكر. الأمر الثانى أنه افتقر إلى الحس التاريخى المتبصر، وقد مرت دول عديدة من العالم الثالث بهذا المفترق فاختارت خيارات مختلفة. الهند مثلاً اختارت عضوية الكومنولث البريطانى وهى تعلم أن هذا يعنى اختيار النهج الديمقراطى التعددى. وقد كان من أهم الدروس التى استفدتها من عملى مع الراحل الدكتور عبدالوهاب المسيرى، رحمه الله، فى موسوعة «اليهود واليهودية والصهيونية» أن الجماعات اليهودية التى قادت المشروع الصهيونى -قبل الكيان- كان من أهم عوامل نجاحها قدرتها الكبيرة على استشراف مستقبل القوى الغربية المختلفة بدقة، ما مكّنها من الانتقال بين العواصم، ولو أصابتها عدوى «تبلُّد الحس التاريخى» التى أصابت آخرين لكان مسار التاريخ مختلفاً. والأكثر طرافة أننى التقيت فى مايو 2013 فى مراكش المغربية فيتالى نعومكين، عميد المستشرقين الروس، أحد المساهمين الأساسيين فى رسم سياسة موسكو الشرق أوسطية، وسألته فى حوار تليفزيونى: «هل تفكر موسكو فى العودة إلى الشرق الأوسط كقطب منافس لأمريكا كما يتخيل مثقفون عرب؟» فقال: «لا نريد ولا نستطيع»! وتلك خواطر وتساؤلات وذكريات مستعادة، بين يدى «العرس الروسى» الذى تشهده بلادنا!