أوهام مصطفى الفقى!

ممدوح الشيخ

ممدوح الشيخ

كاتب صحفي

مؤسف هو ما وصل إليه حال بعض مشاهير هذا البلد! وأفضل وصف «مشاهير» على أوصاف أخرى لأن بعضها أصبح يطلق منفصلاً عن أى معايير أخلاقية. فالمثقف، مثلاً، رائد، والرائد كما قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): «لا يكذب أهله»، لكن بعض «روادنا» يفعلون، ووصف أكاديمى لا ينفصل -فى التقدير السوى- عن صيانة أمانة العلم، وأما الشهرة والانتشار فحازهما من يستحق ومن لا يستحق، فيما حرم منها كثيرون أفنوا عمرهم -أو قسماً منه- لخدمة قضايا جادة دون أن يؤلمهم «وهم التهميش». وقد شعرت بهذا الأسف بعمق وأنا أطالع ما نقله الموقع الإلكترونى لقناة العربية على الإنترنت، نقلاً عن مقابلة لم أشاهدها مع الدكتور مصطفى الفقى، وقد اختار الموقع أن يكون العنوان: «الفقى لـ(نقطة نظام): لا يحكم مصر إلا فرعون». (العربية نت 29 نوفمبر 2013). وفى تفاصيل الموضوع أنه وصف نظام «مبارك» بأنه: «وطنى، لكن الفساد والاستبداد كانا يعشّشان فيه»، وأنه حلل طبيعة نظام الدولة فى مصر قائلاً: «مصر دولة مركزية قامت على سطوة الحاكم الفرعون.. والمصرى لا يستطيع العيش فى أمان إلا فى ظل حاكم قوى، لكن ثورتى مصر عملتا على بدء تفتيت هذا الصنم الكبير لحاكم مصر»، وحسب الموقع أيضاً، ذهب «الفقى» بعيداً فى وصف حاكم مصر قائلاً: «لا يحكم مصر إلا فرعون»! وأول ما يدعو للأسى فى هذا الحكم الجائر الذى أطلقه «الفقى» أنه إعادة إنتاج أقل بريقاً لوهم سار خلفه المهمومون بالنهضة فى العالم العربى أكثر من مائة عام، هو قول محمد عبده: «إنما ينهض بالشرق مستبد عادل»، ولكن «الفقى» ضيق النطاق الجغرافى الذى ينطبق عليه هذا المبدأ الغيبى «اللقيط» وأحل «الفرعون» محل «المستبد العادل»، وهو حكم على المستقبل لا يعلم إلا الله (سبحانه وتعالى) أيصدق أم يكذب، وكنت أحسب أن العالم يتحرز من المصادرة على الغيب الآتى بتقديس قناعاته على هذا النحو. والفرعون الذى يتحدث عنه «الفقى» كـ«حتمية تاريخية» هو الوجه «الطليعى» للفكر السلفى المتشدد الذى لا يرى الممكنات إلا فى ضوء ما يراه هو «حتميات» وإن صاغها فى قالب فقهى. والعبارة فى الحقيقة تنسف كل ما استقر فى الوجدان الإنسانى من حقائق سندها الفطرة تؤكد أن البشر يتساوون أفراداً وشعوباً، واستثناء المصريين من هذه القاعدة يبدو منطقياً بالإحالة على الجغرافيا والتاريخ فى قراءة خطية متسرعة -ولا أراها منصفة أبداً- خلاصتها أن ما كان قبلاً يجب أن يكون، وليته كان أكثر صراحة وأعلن أنه مقتنع بأن الاستبداد «صالح لكل زمان ومكان»! والثورات فى تاريخ الشعوب هى دائماً تغيير نوعى يختلف بعده عالمها عما كان قبله، والفرنسيون يوم أطاحوا بالملكية كانوا قد عاشوا فى ظلها قروناً، وهكذا الحال فى تاريخ كل الأمم تقريباً. والتأسيس على الكلام المرسل عن الدولة المركزية والبيئة النهرية والتاريخ الطويل للمصريين فى ضبط النهر ليس سوى إنكار ذكى لحقيقة أن الجغرافيا «لا تخلق الإنسان»، وأن الحريات والحقوق الإنسانية مصدرها التكريم الإلهى للبشر، كل البشر، سواء فى ذلك من عاشوا فى بيئة نهرية أو جبلية أو بحرية، وأن أول هذه الحقوق حقه فى الكرامة، ولا كرامة تحت حكم الفراعين! والحكم فى الحقيقة ليس سوى فرع على أصل ساهم بقوة فى وصول نظام «مبارك» إلى المصير الذى يستحقه، إذ دأب على التذرع بأنه يقوم بتحول ديمقراطى وفقاً لـ«خصوصيتنا». وعلى ذكر نظام «مبارك» فإن ما قاله «الفقى» عن وطنية نظام «مبارك» هو الآخر يحتاج إلى وقفة، فالوطنية إذا خلت من معيار أخلاقى تكون عنصرية سندها الرئيس وهم «الدم المصرى» الذى يجرى فى عروق الحاكم. وكل من له معرفه بالعلوم الإنسانية يعرف أن كل شعوب العالم تقريباً اختلطت دماؤها عبر التاريخ، فلا يوجد شىء اسمه «الدم المصرى»، والاستبداد والفساد إذا لم يكونا من نواقض الوطنية فمن الضرورى أن يكون هناك تعريف واضح للوطنية! ولا أحسب أن من حق أحد -كائناً من كان- أن ينكر على المصريين أهليتهم لأن يحكمهم حاكم منتخب لا فرعون ولا حتى مستبد عادل، حتى لو برر ذلك بما يراه «محددات حاكمة» مصدرها التاريخ أو الجغرافيا، وإلا لأصبحت ساحة العمل العام ميدان قتال بين مقولات مطلقة لا سند لها إلا قناعة أصحابها بها وإصرارهم على أنها المحصلة الصحيحة لما كان والنموذج الوحيد لما يجب أن يكون! والتذرع بمقولة «الدولة المركزية» هو الآخر مجافٍ للحقيقة بشكل يدعو للعجب، فهذه الدولة الجامعة الصاهرة القاهرة هى بنت التجربة الأوروبية وليست التلخيص الدقيق لتاريخ التنظيم السياسى فى مصر خلال آلاف السنين، والقول بالتطابق بين هذا الشكل التنظيمى الذى ولد فقط بعد صلح وستفاليا (1648) وما كان عليه الحال لسبعة آلاف عام هو تعسف. وفى الحقيقة، لن أعقب على قوله إن «الاحتشاد الجماهيرى أهم من صندوق الاقتراع فى التعبير عن الديمقراطية»، لأن هذا إنصاف تأخر كثيراً لأفكار القذافى العبقرية عن اللجان والتمثيل الذى هو تدجيل، وهو إنصاف له أهميته كونه صدر من أكاديمى معروف.