رايح مشوار وراجع!
مات أحمد فؤاد نجم.. مات بطريقة لا يموتها إلا «فاجومى» مثله: «كأنه رايح مشوار وراجع».
لم يصارع «نجم» المرض.. ولم تتسابق الجهات والهيئات فى تحمّل نفقات علاجه أو استضافته فى مستشفى فخم حتى يلاقيه الموت هناك: عجوزاً أطفأت نظرة الصقر فى عينيه مشاعر الامتنان والشكر لمن استضافوه، وهو الذى عاش عمره كله يجلد ضمائرهم بـ«شعره البذىء».
ضحك «نجم» على الموت مثلما ضحك على «الحياة»: كيف استطاع هذا الجائع الفقير المشرد، ربيب الحوارى والمقاهى والأرصفة وردّ السجون، أن يعيش 84 عاماً و6 أشهر و11 يوماً؟.. كيف تمكن ساكن «خوش قدم» الضيقة الفقيرة المنتهكة التى تنشع رطوبتها فى عظام ساكنيها، أن يعيش كل هذا العمر المديد، عفياً ضاحكاً سليط اللسان؟
لم أنشغل بشعره قدر انشغالى بـ«ظاهرة نجم والشيخ إمام» التى انبعثت مثل عنقاء بهية وطازجة من رماد الحالة الثورية التى أطفأها السادات فى أواخر حكمه، وحاصرها «مبارك» بالفساد وشراء الذمم والترغيب والترهيب منذ تربعه المهين على عرش مصر.
كان شعره بالنسبة لطيف واسع من أبناء جيلى مجرد «صوت صارخ فى قرافة الحالة المصرية الحزينة»، كان أقرب إلى بيان ثورى أو نشيد طابور الصباح الذى نطالبه بالمجىء ولا يجىء أبداً.. كنا نلتمس الشعر فى قصائد العامية المصرية لدى فؤاد حداد وصلاح جاهين وعبدالرحمن الأبنودى.. ونذهب إلى «نجم والشيخ إمام» لنغنى للغيطان المنهوبة والمصانع المسروقة والزنازين المغلقة بغل وكراهية على أنبل شباب ورجال وسيدات هذا الوطن.
وكان «نجم» ابن «جنّية» من يومه: يعرف تماماً ما يدور فى عقولنا.. يعرف أننا نعتبره أقل شاعرية من فرسان العامية المصرية.. ولكننا أيضاً نطوى جوانحنا على إعجاب هائل بهذه «الظاهرة»: أن تعيش مثل طيور السماء تلتمس الرزق من نوافذ الله المفتوحة.. زادك الأشهى معروض بوفرة على الأرصفة وعربات الفول فى الشوارع.. ولياليك الجميلة منذورة بكاملها للناى والعود والطبل البلدى على سطوح العمارات المتهالكة.
وكان أن تقدم بنا العمر.. واتسعت الرؤية لتصل إلى أعذب تجليات الشعر فى ظاهرة أحمد فؤاد نجم.. شعر الوجدان الجمعى لأمة عريقة كلما فاجأت نفسها بحدث مذهل أسعفتها قصائد نجم - ونجم وحده - بالشعار الذى يكتنز كل مواجعها وأفراحها، مثل: «الورد اللى فتح فى جناين مصر» التى تصدرت كل مواكب شهداء ثورة 25 يناير 2011.
لا توجد حرفة تقريباً، إلا وعمل بها «نجم»، حتى «الصياعة» مع العواطلية والمستبعدين من «جنة الأخلاق البرجوازية» احترفها لسنوات، كتب خلالها عشرات القصائد النارية التى لم يترك فيها «ركناً مهيباً» إلا ودلق عليه شلال سخرية أفقده مهابته، ومن زمالة الفواعلية على سقالات العمارات والتشرد مع الباعة الجائلين والعمل «صبى مكوجى» ولاعب كرة مع فرق الحوارى الغارقة فى طفح المجارى.. جمع «نجم» قاموس قصائده التى تحولت إلى مواويل مضيئة وساخنة فى مشهد ثقافى مظلم وبارد.
وها هو «نجم» يأتيه الموت سهلاً رقيقاً.. فلا يعثر على شىء يحمله معه غير «حفنة عظام» لم يترك صاحبها فيها قطرة حياة إلا وعاشها بفطرة طائر برّى لم يروضه أحد.. فقد كان يعى الدرس جيداً: «إن اليد الآدمية واهبة القمح.. تعرف كيف تسن السلاح»!