لم يَحُل عدم التركيز الكافى فى برامج مرشحى الرئاسة المصرية على ملف السياسة الخارجية من بروز إسرائيل وملف العلاقات معها، كأحد أهم القواسم المشتركة فى السباق الرئاسى. وهذا ما أشارت إليه مؤخراً صحيفة هاآرتس الإسرائيلية بقولها: «العداء لإسرائيل هو النغمة السائدة فى الحملات الانتخابية ليس لمرشحى جماعة الإخوان المسلمين أو التيار السلفى فقط، بل حتى من الحلفاء السابقين لحسنى مبارك». وخلصت الصحيفة فى تقريرها تحت عنوان: «من سيصبح رئيس مصر القادم؟» إلى استنتاج مفاده أن المرشحين الأوفر حظاً جميعهم معادون لإسرائيل ولا يوجد فيهم شخص ينظر إليه على أنه شريك أو يصلح للحفاظ على العلاقات المصرية الإسرائيلية!
ورغم مبالغة هاآرتس بعض الشئ، فضلاً عن عدم إشارتها إلى من هم المرشحون الأوفر حظاً من وجهة نظرها، فإن ذلك ربما يعود إلى شبه الإجماع بين المسئولين والمحللين فى إسرائيل على أن الإسلاميين هم الأقرب للفوز بمنصب الرئاسة فى مصر، أو على الأقل ليس لهم من منافس قوى غير عمرو موسى، وهو فى كل الأحوال شخصية غير محبذة للمسئولين فى إسرائيل، فيقول عنه «ديفيد سلطان» السفير الإسرائيلى الأسبق فى القاهرة: «لقد فاقم أكثر من مرة من المشكلات بين الدولتين، كما أنه يضع إسرائيل وإيران فى نفس الكفة عند الحديث عن السلاح النووى».
تقرير هاآرتس لا يختلف فى جوهره عن معظم ما حفلت به وسائل الإعلام الإسرائيلية بشأن مرشحى الرئاسة فى مصر، ومتابعة ما جاء فيها تقود إلى استنتاج مفاده أن أكثر المتفائلين فى إسرائيل لديهم قناعة بأن نتائج الانتخابات الرئاسية سوف تؤدى على الأقل إلى تدهور شديد فى مستوى العلاقات بين البلدين. فكل المرشحين، بما فى ذلك عمرو موسى، يكرهون إسرائيل، وسينضمون حتماً للجبهة الداعية لعزل تل أبيب، والضغط عليها لتعديل اتفاق السلام بكل الطرق، فضلاً عن دعم سياسى ودبلوماسى أكبر للفلسطينيين.
ولدى الإسرائيليين تقديراتهم الخاصة بشأن المخاطر التى ستترتب على استحواذ الإسلاميين على كرسى الرئاسة، وما يحمله ذلك من احتمالات تجاوز الدعم المصرى للفلسطينيين حدوده الدبلوماسية إلى أبعاد أخرى أكثر خطورة من وجهة النظر الإسرائيلية، وذلك بالنظر إلى العلاقة العضوية بين «حماس» والإخوان المسلمين. فضلاً عن العلاقة المؤكدة (حركياً وأيديولوجياً) بين قطاعات من التيار السلفى فى مصر والسلفية الجهادية فى قطاع غزة وحركة الجهاد الإسلامى فى فلسطين.. وهذه كلها معطيات من شأنها إقناع صناع القرار فى تل أبيب (أو تبرر لهم القول) بأن هيمنة الإسلاميين على الرئاسة المصرية ستضع أعباءً أمنية كبيرة على إسرائيل، أقلها ما يتعلق بمراقبة منطقة الحدود مع مصر. وهذا يفسر جزئياً -على الأقل- دعوة «أفيجدور ليبرمان»، وزير الخارجية الإسرائيلى، للتعامل مع مصر على أنها أخطر على إسرائيل من إيران، ودعوة آخرين فى الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية لإعادة تشكيل كتائب عسكرية لمراقبة الحدود مع مصر. بل ويفسر لاحقاً ما هو متوقع، من وجهة نظر بعض الباحثين، بأن تبدأ إسرائيل عملياً فى التعامل مع مصر على أنها بلد عدو حتى إشعار آخر!
تلك الإشارات السلبية القادمة من تل أبيب لم تكن لتمر مرور الكرام على الأجهزة المعنية بالأمن القومى فى مصر، والمؤكد أنها كانت محل تحليل ورصد دقيق من قبلها.. ولهذا فالأرجح أن المعنيين فى الإدارة المصرية الحالية لم يعترضوا على زيارة فضيلة مفتى الديار إلى القدس الشهر الماضى، لأنهم استهدفوا من خلالها إيصال رسالة مفادها أن القرص الصلب فى الدولة المصرية ما زال فاعلاً ولن يسمح بتغيير جذرى فى نمط العلاقة التى تربط بين مصر وإسرائيل. بل ولديه من القدرة على السيطرة والثقة بالنفس ما يمكنه من الإتيان بما هو متوقع أن يثير المتاعب والمخاطر فى تلك المرحلة العصيبة التى تمر بها الدولة المصرية.
هذه الرسالة -من وجهة نظرهم- كانت مطلوبة فى هذا التوقيت لأسباب كثيرة من ضمنها احتمال أن يكون ما تزخر به الصحافة الإسرائيلية جزءاً من الدعاية التى تستهدف التمهيد لحماقة إسرائيلية (غير مرجحة بالتأكيد، لكنها غير مستبعدة) تجاه الشريط الحدودى فى سيناء، مستغلةً فى ذلك الوضع الأمنى المتردى هناك وتصريحات بعض مرشحى الرئاسة.