خالد عكاشة خالد عكاشة الانكشاف المحير.. أمام مواقع التواصل الاجتماعى!
09:55 م | الإثنين 12 نوفمبر 2018

خصص منتدى شباب العالم فى نسخته الثانية، التى انعقدت فى شرم الشيخ 3 - 6 نوفمبر 2018م، حلقة نقاشية هامة بعنوان مواقع التواصل الاجتماعى هل هى للتواصل أم للتباعد الاجتماعى؟! حظيت تلك الجلسة باهتمام لافت من الحضور ومن متابعى المنتدى على وسائل الإعلام، بداية لعنوانها المثير ولكثافة وتنوع المشاركين فى إلقاء الكلمات وزوايا الرؤية، الخاصة بقضية تشغل بال الكثيرين بالفعل، واكتسبت الجلسة اهتماماً إضافياً بالإعلان المسبق عن حضور الرئيس عبدالفتاح السيسى لها، وتوقع أن تكون له مداخلة حول القضية، خاصة فيما له علاقة بزاوية الحريات، ضمن حزمة من الأبعاد الأخرى المتشابكة.

الحزمة المشار إليها كانت تستهدف تناول الظاهرة من كافة الزوايا الحاضرة على الأقل الآن فى واقعنا، ويمكننا من الاشتباك معها وطرح ما يعن لنا بشأنها، هذا ما دفع القائمين على إعداد الحلقة لأن ينصب اهتمامهم فى ذكاء على تضمين كافة التخصصات وأصحاب التجارب المتعلقة بالموضوع، كمتحدثين يمكنهم الاشتباك مع الظاهرة أمام الحضور وجمهور المتابعين، فضلاً عن ترتيب بدء الجلسة بعرض فيلم تسجيلى قصير، له نكهة استقصائية، حاول أن يختصر كثيراً من تعقيدات العنوان ليضعها مباشرة فى قلب الحوار، نجح الفيلم القصير فى ذلك بجدارة، وجاء خير تقديم للحوارات التى انطلقت بعده، تستجلى وتطرح ماذا نرى، وإلى أين وصلت بنا مواقع التواصل الاجتماعى.

الفيلم الذى جاء بعنوان (Fomo)، باعتبار هذا المصطلح معبراً عن مرض إدمان متابعة مواقع التواصل، وكيفية رصد المساحات التى يلتهمها الافتراضى من رصيد الحقيقى فى مشهد الواقع الواسع، ومحذراً من الهوس والإفراط فى قضية التفاعل داخل أسوار هذا العالم، من دون التطرق لقضية الحريات الشخصية التى أكد على احترامها، وهو ذات الأمر الذى حرص كافة المتحدثين على التأكيد عليه بصور مختلفة. كنت أحد المشاركين فى الحلقة النقاشية، فآثرت أن أبدأ مداخلتى بالتأكيد على هذا المعنى، حتى لا يقع لبس لدى المتلقى، خاصة أنى كنت أتناول زاوية الإرهاب والتطرف، ومدى استفادته من تقنيات مواقع التواصل الاجتماعى. وأعيد هنا التأكيد أن تناول هذا الأمر، وإلقاء الضوء على حجم استفادة تلك الأنشطة عالية الخطورة وبالغة التهديد والتعقيد، من هذه المنصة الإلكترونية الهائلة ذات الإمكانات غير المحدودة، لا يقف خلفها رغبة فى التقييد أو المنع بأى صورة من الصور، بل على العكس أرى وأومن تماماً بأن تفكيراً من هذا النوع هو نسق افتراضى غير جدير بالبحث أصلاً، بل يساهم بشكل كبير فى التشويش على الرغبة الجادة فى تفحص أبعاد ما نواجهه، والسعى للبحث عن المسارات، التى يجب سلوكها أو تصويب البعض منها إن أمكن.

فى محطة التشخيص الذى تناولته بإيجاز فى مداخلتى، وقفت عند حجم الاستفادة الكبيرة التى حققها التطرف ومن ثم الإرهاب، من تقنيات مواقع التواصل التى بدأت كغرض اجتماعى بوسائط تكنولوجية، سمحت بذلك ووفرت درجة عالية من المرونة مكنتها من اقتحام مناطق أخرى، تجاوزت الاجتماعيات إلى ما هو أبعد، منها النشر الخبرى على سبيل المثال، حيث يظل منقوصاً ومحدود التأثير والانتشار من دون استخدامه للفيس بوك وتويتر على الأقل.

بالنظر إلى صلب آلية الشبكات التى صممت لتكون قادرة على تمهيد الأرض أمام مسارات لا نهائية، ما لبث التطرف أن حجز له مكاناً معتبراً عليها، أعطت له ميزات نوعية لم يكن سيحصل عليها دون تلك الساحات العملاقة، ولم يتأخر الإرهاب عن اللحاق بذلك الفضاء، كى يمارس عليه وبين أروقته ما كان أكثر صعوبة فى الواقع، حيث استحضر الأدوار والمهام التى كانت قاصرة نسبياً، أو فى حاجة لقدر عال من الجهد، لمواجهة تعقيدات الملاحقات الأمنية والاستخباراتية، مثل «التجنيد» و«التوجيه» و«التكليفات» وغيرها، لتصير محلها الآمن هى مواقع التواصل من خلال شفرات بسيطة، وطرق أكثر سهولة ومرونة فى التخفى.

إن كان التطرف والإرهاب المسلح قد حققا تلك الاستفادات فعلياً، وهو ما رصده العديد من المتابعين المتخصصين، وليس تقديراً شخصياً، هذا يظل المستوى الأول من الاستخدام وتحقيق الفائدة، حيث هناك الأخطر مما صارت تعمل عليه التنظيمات وجماعات التطرف مؤخراً، وهو استثمار الإطلالة المجانية التى توفرها منصات التواصل، فى دراسة واكتشاف ما تريد رصده والوقوف عليه، لاستثماره فى خطط عملها. هذا المستوى المتقدم بدأت التنظيمات الإرهابية تحصد منه المكاسب، بعد أن توافر لديها المتخصصون القادرون على فك شفرات المجتمعات التى يستهدفونها، فهى بقدر من السهولة والتدفق على مدار الساعة تمكن أى متابع محدود القدرات من تحديد نقاط الضعف ومناطق الاحتقان الأكثر التهاباً، التى بمجرد استهدافها من تلك التنظيمات تحقق لها مكاسب مضاعفة، وأمام تلك المعادلة الطردية، التى تكشف أن بقدر الاستخدام المفرط، وبحجم الشفافية والتعبير عن الحقيقة أو تضخيمها، تتحقق الاستفادة على الجانب الآخر، يقف المشهد على هذا المكون المعقد، الذى للوهلة الأولى يبدو محيراً فى تحديد نقطة الإمساك به، ليس لمحاصرته المستحيلة بل فقط لتحديد أوزان الخطورة فيه.

هذا القدر من الانكشاف المجتمعى الهائل أمام عدو متربص غير محدد الأبعاد، وإن ظل معلوم العنوان والأهداف، يضع معادلة مختلة فى أصلها ومحفوفة بالمحاذير، فطرف الإمساك بأى من أشكال التقييد، هو فرضية خيالية تقودنا إلى ساحات السراب الكامل، والتطرف وحده الذى هو البذور الأولى لصناعة الإرهاب قادر على التلون واستخدام المئات من أردية التخفى، بل والحضور فى جرأة حرية التعبير ليغرس فسائله أمام أعين الجميع، ومؤخراً بدأ يكتسب مهارة اصطناع المواقف والمواقف المضادة، من أجل تشكيل ساحات متجددة للاحتقان فى حال خفتت حدته لسبب أو لآخر، لذلك يظل حتى الآن التفتيش فى ثنايا تلك المعادلة يحمل من الحيرة والتساؤلات أكثر مما هو بقادر على محاصرة المخاطر. وللحديث بقية.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل