محمد عبلة: «الفن التشكيلي مش لكل الناس.. وعُمره ما كان شعبي واللي عاوز يفهمه لازم يبذل مجهود»
محمد عبلة: «الفن التشكيلي مش لكل الناس.. وعُمره ما كان شعبي واللي عاوز يفهمه لازم يبذل مجهود»
يحق للفنان التشكيلى الكبير محمد عبلة أن يفخر بنفسه وفنه، فهو علامة مضيئة فى مسيرة الفن التشكيلى فى مصر والعالم، صاحب رؤية ومدرسة خاصة فى الفن التشكيلى، وله بصمات واضحة لا يخطئها أى متذوق للفن وأى عارف به، وتشهد رسومه ومعارضه المحلية والدولية بتأثيره فى حاضر ومستقبل ذلك الفن الرفيع.
ابن الدقهلية المولود فى 1953، لا يمكنه أن يكون بعيداً عن الناس وطين البلد، ففى القاهرة يعيش فى قلب المدينة ووسط ناسها وزحامها، وفى جزيرة القرصاية، ينعم بدفء أهلها الطيبين والشقيانين، وينتقل بين الإسكندرية والمنصورة والفيوم التى أسس فيها أول متحف للكاريكاتير على مستوى الشرق الأوسط، ومن مصر يطير بفنه لكل بلاد الدنيا، تاركاً فى كل بلد يزوره أثراً يشهد أنه مر منه، وخير مثال على ذلك تمثال «سيزيف» فى ألمانيا الذى صممه عام 1994.
«عبلة» صاحب موهبة فنية كبيرة، وأحد أسطوات الفن التشكيلى القلائل فى مصر، وموهبته تجعله يبدع ويرسم كما يتكلم، ومبكراً جداً اختار أن يكون فنه من الناس وللناس، ففى لوحاته متاهات ودوامات الحياة التى يغرق فيها المصريون بحثاً عن لقمة العيش أو سعياً فى مناحى الحياة، ولا تخلو لوحاته من وجوه أبناء المدينة الصاخبة أو العاملين فيها والعابرين منها، كما لا تخلو من أبناء القرصاية والنيل.. وإلى نص الحوار:
نبدأ من ثورة التكنولوجيا وانتشار وسائل التواصل الاجتماعى.. كيف أثرت على الفن التشكيلى؟
- ثورة السوشيال ميديا أحدثت انتشاراً أكبر للفن عموماً وزادت المعجبين والمولعين به.
من يريد رؤية أعمال فنية حقيقية ويزور معارض «شريحة ثابتة» لا تتأثر بوسائل تواصل أو غيره.. اللى زاد من جمهور الفن هو الشريحة الجديدة المتأثرة بالسوشيال ميديا، ودى لا بتروح ولا بتيجى، ووسيلتها فى تلقى المعرفة الثقافية أو الفنية أو الأدبية أو العلمية هى التكنولوجيا، وعايشين فى مسألة التلقى على العالم الافتراضى.
هل يمكن التعويل على جمهور العالم الافتراضى؟
- طبعاً، لأن معظمنا كمان كفنانين مهتم بالعالم الافتراضى ويضعه فى الاعتبار.
هل يعجبك فنان كل جمهوره افتراضى؟
- الفنان اللى من النوع دا هو كمان افتراضى.. وطرح نفسه على كدا.. ولو قلت له تعالى أعمل لك معرض حقيقى وتتعامل مع جمهور من الناس فى الواقع، مش هيوافق، هو طارح نفسه افتراضياً ومايعرفش يعمل غير كدا.
والأمر دا مش فى الفن التشكيلى بس، لكن فيه أدباء وشعراء افتراضيين فقط، وعندهم آلاف المعجبين لكن على السوشيال ميديا بس.
هذا النوع من الفنانين يزعم دوماً أن المستقبل له وليس للفنانين الموجودين على أرض الواقع.. ما رأيك؟
- مثلما تتطور المدرسة الجديدة المعتمدة على العالم الافتراضى، فالمدرسة القديمة تورَّث أيضاً وتزيد وتتطور، وسيظل هناك حالة عشق للمعارض ومشاهدة اللوحات الحقيقية رغم إمكانية عرض ومشاهدة اللوحات على الإنترنت بطريقة «ديجيتال»، بخلاف أن هناك فنانين كتير بتهرب من العالم الافتراضى وتتمسك بالواقع الفعلى وحب الطبيعة والبيئة وحياة الناس وتأملها.
العالم الافتراضى أيضاً طارد فى بعض الحالات. ورأيى إن الشباب اللى مُقبل عليه بالفعل، بعد فترة بيكتشف إنه غير كافى، ويعود مرة أخرى للواقع والتفاعل معه.

هناك اتهام قديم ومتجدد للفن التشكيلى بأنه متعالٍ وغير مفهوم.. ما رأيك فى ذلك؟
- الفنون الرفيعة، ومنها الفن التشكيلى والأوبرا وغيرهما مش بتاعت كل الناس، جمهور هذه الفنون بذلوا جهوداً كبيرة علشان يقدروا يتلقوها، أما الفنان فمش مطلوب منه أكتر من إنه يقدم فن.
وجمهور الفن التشكيلى طوال التاريخ محدود، وعمره ما كان فن شعبى، وماقدرش أقول إنه فن نخبوى، لكنه فن لمن يبذل مجهوداً ذهنياً فى تلقيه وفهمه، لأن الفنان التشكيلى بيبذل مجهود فى عمله ويجدد فى أفكاره وكفاية عليه كدا، مش هيشتغل شارح كمان. دى شغلانة حد تانى.
شغلانة الناقد.. هو أيضاً موجه له نفس الاتهام بالتعالى والحديث بلغة أكثر تعقيداً من اللوحات التشكيلية!
- الناقد لا بد أن يعتبر نفسه شارحاً وموصلاً وموضحاً للأفكار بين عالمين، أو بين الفنان وجمهوره، فيجب أن يحترم الناقد مهنته ويبسط خطابه للناس. المشكلة فى اللى مالهمش فيها وبيشتغلوها. أعرف ناقد طول عمره بيكتب فى كل الصحف والمجلات، وأنا أقول له «سيب مساحة للشباب يكتب» يقول لى: «شباب إيه.. إحنا لسه ماخدناش فرصتنا»، وكان ساعتها عنده 50 سنة.
لازم يكون فيه إيمان بأهمية النقد ودوره واعتباره رسالة ومهنة شريفة ومهمة، ومربحة أيضاً. وفى هذا الإطار باسمع مصطلحات غريبة زى «النقد البناء» و«الأديب الناقد» و«الفنان الناقد».
هل أنت متفائل بمستقبل الفن التشكيلى فى مصر؟
- الحمد لله، الأحلام تتحقق حالياً، لأن فيه جيل جديد من الشباب طالع ونشيط جداً، ودا كان حلم بالنسبة لى إن يكون فيه صف تانى من الفنانين يكملوا المشوار، ودا معناه تقدير للجيل السابق، لأن الأجيال الجديدة بتشتغل فى نفس مجالنا وبيشوفوا شغل اللى قبلهم بالتبعية. وكلما زاد عدد الشباب الجديد، كنا سعداء.
بالنسبة لى، لما أرحل، جمهورى يزيد، لأن فيه شباب كتير بيبص ويدور على شغل كل اللى قبله، وأنا منهم، ولو مفيش الصف التانى دا، القديم هيموت.
نتوقف عند أحد معارضك الحديثة وكان بعنوان «مغارة على بابا» الذى ضم لوحات كثيرة يغلب عليها تصوير أبعاد للشخصية المصرية من خلال نماذج بشرية فى مدينة القاهرة وجزيرة القرصاية التى تعيش بها.. حدثنا عن هذه الاختيارات ودلالاتها؟
- المعرض كان اسمه «مغارة على بابا» لأنه فيها حاجات كتير تشبه الموجودة فى مغارة على بابا «ذهب، ياقوت، مرجان» وضم أعمالاً متنوعة من مراحل زمنية مختلفة ولم تُعرض من قبل رغم أنها قديمة، وأنا عادة باشتغل كتير وباعرض قليل جداً وباحتفظ لنفسى بمجموعات كتير من شغلى، وفى معرض «مغارة على بابا» قررت أعرض أعمال راعيت فيها التنوع فى الأدواب والتكنيك والموضوعات والأزمنة اللى شملتها الأعمال، فمن يراها هيلاحظ مباشرة فكرة التنوع والزمن وتحقق خبرات كثيرة.
ماذا عن التركيز على فكرة تنوع الفترات الزمنية التى تناولتها لوحات المعرض؟
- لا أعرض أعمالى بمنهج تسلسلى، لأنى مش حريص على فكرة التطور الزمنى، ولا أؤمن أن الفنان بيطور أدواته، لكنى مؤمن بأن الفنان مجرد ما يقرر يبقى فنان، فهو يعبر عن آراء وحالات ودوامات تجاذبية مختلفة ولحظات صعود وهبوط، وكل مرحلة بيمر بها بيعبر عنها، وأنا باشتغل بالطريقة دى، ومن خلال أعمالى باحرص على أنى أعبر عن فترات زمنية حصل فيها حالات معينة، وبيظهر أنى فى الثمانينات كنت مهتم بكذا وفى التسعينات كذلك، يعنى فى 2002 مثلاً كنت مهتم بالجرايد وكلام الناس والمانشيتات وباستخدمها فى شغلى وكذا.. دا مش تطور، لكنه إظهار لتعدد الاهتمامات والانفعالات بالشأن العام ورأيى فيه من خلال فنى وهكذا.

هل تزعجك الفجوة بين أجواء النيل وجزيرة القرصاية وهدوئها وبين المدينة وصخبها وزحامها وأضوائها؟
- أنا أنتمى للقرصاية وساكن فى القاهرة أيضاً، وطول اليوم موزع على المكانين، وبحبهم معاً، يعنى أنا بحب المدينة وصخبها وأضواءها، وفى نفس الوقت، بحب الهدوء والجزيرة، علشان أقدر أتحمل صخب المدينة وضوضاءها، ما أقدرش أنكر إنى لمحت جانب جميل فى المدينة اللى معظم الناس بتشتم فيها، وناس كتير بعدى شافت الجانب دا من خلال لوحاتى. عشان أحس بجمال القاهرة لازم أفصل عنها، وأرجع أدخل جواها تانى. أنا بحب المدينة والجزيرة معاً وأتنقل بينهما بسلاسة.
لوحاتك تُظهر البراءة والخير والمحبة فى المجتمع وعلى وجوه الناس.. ما تصورك للتغيرات التى طرأت على الشخصية المصرية؟
وهل ضرورى أن يعبر الفن التشكيلى عنها بتشوهاتها، أم يجب أن يُظهر المعانى الإيجابية والجمالية فقط؟
- أحد أغراض الفن أن يوثق الواقع، وفيه غرض أكبر أنه يساعد بإيجابية فى منح الأمل والتفاؤل للناس، لأن الفنان ما بيرصدش ويوثق بس، لكنه بيستشرف المستقبل بمسئولية أخلاقية تجاه المجتمع، وجزء من رسالتى كفنان أن أُظهر قوة الشخصية المصرية والشعب اللى أنا بحبه، وفكرة التفاؤل مطروحة عندى دايماً.
حتى فى ظل الظروف الصعبة؟
- الفن بيعلمنا قراءة التاريخ، باعتباره جزءاً من هذا التاريخ، والتاريخ بيقول لنا إن مصر ياما شافت ومرت بفترات أصعب من كدا، والظروف الصعبة مش أمر استثنائى والمصريين تغلبوا على حاجات كتير جداً، ولهم حلولهم الخاصة.
الصورة ليست مظلمة لأن هناك قطاعاً كبيراً جداً من المصريين لديهم قدرة على الصبر والتحمل، ودا نوع من القوة. أنا مع الجانب الإيجابى فى الموضوع، وبالمفهوم دا بحب المصريين وعارف أنهم يستاهلوا كل خير وتفاؤل وأمل.
هل المخزون الحضارى للشخصية المصرية قادر على مواجهة طوفان العولمة؟
- مصر طول عمرها كانت صانعة العولمة، من خلال صناعة الثقافة والفن، والعولمة إيه غير كدا! والجوانب الخاصة بالاقتصاد، أسميها «أخطار الحياة» وتتعرض لها كل الشعوب وليس المصريين وحدهم، والمصريين يقدروا يدخلوا فى عصر العولمة، وينخرطوا فيه بسرعة شديدة جداً، لأن العناصر المكونة لفكرة العولمة بمعناها القاسى هى «الإنتاج والحركة» والمصريين يعرفوا ينتجوا ويتحركوا فى المجتمع.
لكن ثمرة الحركة والإنتاج لن تكون لحسابهم!
- فى العالم كله، العولمة فيها قسوة، لكن ليست بقسوة مرحلة الإقطاع، فإدراك الناس فى مختلف المجتمعات لذاتها وحقوقها زاد، ولم يعد هناك حالات استغلال صارخة زى اللى كانت موجودة قبل الأربعينات مثلاً. واستحالة العالم يتقبل حالياً فكرة «مص دم الناس» زى ما كان بيحصل قبل كدا، خصوصاً فى وجود وسائل تواصل اجتماعى، ونشر.
الناس عارفة حقوقها كويس، لكن عاوزة شوية حرية بس، وعلشان ننتج فى كل المجالات محتاجين مزيد من الحرية، لأن مفيش واحد مكبوت الحرية ومقيد، هيقدر يبدع فى أى شغلانة، ولازم الحرية تتوفر علشان الصنايعى والفنان والعامل ينتج أحسن وهو حاسس بحريته وذاته ويطلع كل طاقته وإمكانياته فى الإنتاج.
ومصر جزء من العولمة، وتسهم فى الجانب الحضارى منه طوال الوقت. علماء وفنانو مصر موجودون فى كل العالم وبيأثروا ويساعدوا ويقدموا خدمات العالم كله بيستفيد منها، وإحنا نعرف من الناس دى مجموعة صغيرة لكن فيه غيرهم كتير إحنا مانعرفوش.

باعتبارك أحد المشاركين فى صياغة الدستور المصرى.. بماذا تحلم لمصر حالياً؟
- باحلم لمصر إننا نحقق الحاجات اللى اشتغلنا عليها الفترة الماضية، خصوصاً الحريات والحقوق والعدالة، وباحلم إن العالم يعقل ولا يمر بتجارب سيئة زى الحروب والتشنجات الكبيرة، لأن الحربين العالميتين الأولى والثانية تركتا ملايين الضحايا، وأتمنى ألا يلجأ العالم للحرب كحل للأزمات الراهنة. وأتمنى للعرب أن ندرك قيمتنا ولا نستسلم لدور الضحية طوال الوقت.
ماذا فات مصر منذ 2011 حتى اليوم كان ممكن يتعمل بجهد وتكلفة أقل ويُحدث تغييراً كبيراً؟
- مصر محتاجة تفتش فى تاريخها، وتستفيد من الأفكار الصالحة لكل زمان ومكان. لكن طول ما فيه بيروقراطية وغباء حكومى مفيش حاجة هتتغير. صعب جداً إن مجتمع مغلق مقفول على ذاته وفيه تدليس كبير جداً ينتج أفكار.
أحمد حسين، رئيس حزب مصر الفتاة، قبل ثورة 1952، كان عامل مشروع اسمه «السنة» وهو عبارة عن توقف للدراسة لمدة سنة من أجل «محو الأمية وإعادة تأهيل المدارس» وغيرها من الأهداف. اليوم عندنا مليارات تُنفق على التعليم، ماذا لو توقفت سنة واحدة ووفرنا ميزانية التعليم لمدة سنة؟ الصين قفلت على نفسها وعطلت حاجات كتير مالهاش لازمة لمدة 20 سنة، وركزت على حاجات كتير مهمة وعطلت حاجات مالهاش لازمة. وألمانيا طول الوقت بتدور فى تاريخها، والعالم منذ 1920 حتى 1980 حصل فيه تسارع كبير جداً، وحاجات كتير طلعت زى المدارس الفلسفية والفنية الكثيرة.
كيف يمكن للفن اليوم أن يكون داعماً فى مواجهة الإرهاب وغيرها من القضايا التى نعيشها اليوم؟
- للأسف الحكومة حتى اليوم ورغم الأحداث الكبيرة اللى بتحصل، مش قادرة تقنع الناس والفنانين بحجم الخطر النابع من الإرهاب ولا حقيقته، ولو أقعنتهم هيقفوا ويتصدوا أكتر من اللى حاصل.
الصين فى وقت ما خدت وقفة واللى متورط فى أى جريمة كان بيتعدم، علشان المستقبل. ورأيى إنه لازم تقنع الناس بإن الخطر فين وهنواجهه إزاى، علشان تقدر تقدم كل اللى عندها.
لكن إحنا فى الوقت اللى فيه ناس مش لاقيين ياكلوا بنبى مدن جديدة والمتر بيوصل لآلاف الجنيهات فى مدن الشباب. دا ممكن يكون مقبول، لكن محتاجين الناس تقتنع بيه. والاستقرار وحده لا يبنى مستقبل، توجد دول فى منتهى الاستقرار لكن ميتة، الاستقرار لا يكفى وحده وما يأكلش عيش.
أى بلد يتمنى يكون عدده ربع سكان مصر اللى نصفه من الشباب، فإزاى يكون عبء؟!. اللى يقول كدا هو اللى عبء.
ما رأيك فى مؤتمرات الشباب التى يتم تنظيمها سنوياً؟ وكيف يسهم الفن فى دعمها وكيف تسهم هى أيضاً فى دعم الفن؟
- هذه المؤتمرات عيبها الوحيد إنها مركزة فى أماكن محددة وبآليات محددة، وأتمنى تكون فى كل محافظات مصر، وتتنظم بطريقة مختلفة، وهى إن كل محافظة تعمل مؤتمرها ويكون له علاقة بهوية المحافظة وتراثها وتتحدث عن فرص العمل فيها ومشروعاتها، والرئيس عبدالفتاح السيسى يزورها، لكن المحافظة هى اللى تنظم مؤتمرها، وليس العكس.

«عبلة»: الفنان المكتفى بطرح أعماله «أون لاين» يظل افتراضياً «ما يعرفش يعمل غير كدا».. ولا يمكنه مواجهة الجمهور

الفنان التشكيلي: جيل الشباب نشيط جدا إبداعيا.. ويحقق حلمي فى وجود صف ثانٍ يكمل المشوار
