رسائل من الدنمارك: زملائى الصحفيين.. لنفِق قبل الطوفان (1)

يبدو أنها لم تكن أبداً مبالغة حين كنا نسمع من بعض الزملاء أو المديرين أو الخبراء حديثاً عن أفول حقبة الصحافة الورقية، حين أكدوا أن الصناعة التى بدأت منذ قرون تسير فى طريق النهاية، وأن صاحبة الجلالة فى صورتها الورقية تفقد عرشها، كل هذا أمام التطور التكنولوجى للشبكات العنكبوتية والمعلوماتية والأجهزة الذكية بما تحمله من ميزات تجعل جمهور الصحافة يحصل على كل المعلومات لحظياً ربما بلمسة زر واحدة. هذا أمر يقلقنى خاصة وأنا صحفى ورقى بالأساس، وأعلم جيداً أن الصحافة الإلكترونية لديها متطلباتها واحتياجاتها ومهاراتها التى أرى أنى لم أكتسبها بعد.

من هنا تبدأ الحكاية، ضمن جائزة النادى الإعلامى للتميز الصحفى التى حصلت «الوطن» عليها العام الماضى عن حوارى مع الداعية التركى فتح الله جولن. وصلنا الأحد إلى الدنمارك نجرى جولة فى بعض المؤسسات الصحفية والسياسية فى المملكة الواقعة فى الشمال الأوروبى إلى جانب لقاء بعض الشخصيات ذات الثقل الصحفى.

يبدو أن فئة عريضة من الصحفيين -وأنا منهم- فى غيبوبة.. فى اليوم الأول كان لنا لقاء مع الصحفى جان بيركيموس وهو صحفى مستقل يعمل كمحلل ومستشار صحفى مهتم بالجوانب التكنولوجية والتفاعل بينها وبين الصحافة، ومن بين ما تناقشت معه فيه مستقبل الصحافة الورقية فى ظل التقدم الهائل فى تكنولوجيا المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعى والاعتماد على صحافة الهاتف. سألته هل تنتهى الصحافة الورقية بالفعل كما يتوقع، خاصة أنها تعانى، وصحافتنا المصرية ليست بمنأى عن تلك التطورات، هل تخشون ذلك؟

كصقيع الدنمارك الذى لم أشعر به من قبل جاءت إجابة «بيركيموس» بإيماءة وجه محبطة، أو ربما كانت كاشفة مرة أخرى لما لا نريد سماعه أو نراه كصحفيين، حيث قال «بيركيموس»: «للأسف الصحافة الورقية فى هبوط متواصل ومن هبوط إلى هبوط»، مضيفاً: «كل ما نقوم به الآن من محاولات ليس لمنع ذلك من الحدوث لأنه سيحدث سيحدث، وإنما الهدف هو ألا يكون انهياراً مفاجئاً للصحافة الورقية، نحن فقط نحاول أن نجعله تدريجياً، لكن سيأتى وقت وتنتهى الصحافة الورقية بلا شك».

ضرب الصحفى الدنماركى لنا مثالاً بظهور التليفزيون وما فعله بالراديو، قائلاً إنه ذات وقت كان الراديو هو الوسيلة الرئيسية والأكثر انتشاراً فى الحصول على المعلومة والخبر وكثير من الاحتياجات المعرفية، لكن عندما ظهر التليفزيون تساءل ما الذى حدث؟، ليجيب، والسؤال لم يكن بحاجة إلى إجابته: «الذى حدث أن الكل كان يبحث عما تلتقطه الكاميرات وليس عما يقال فى الراديو، هكذا هو ما يحدث مع الصحافة الورقية مع التطور الحادث فى المواقع الإلكترونية وانتشار الهواتف الذكية وأيضاً مواقع التواصل الاجتماعى».