خريف الغضب فى عهد السادات.. كل الطرق تؤدى إلى «المنصة»

كتب: هشام حجى

خريف الغضب فى عهد السادات.. كل الطرق تؤدى إلى «المنصة»

خريف الغضب فى عهد السادات.. كل الطرق تؤدى إلى «المنصة»

فى خريف عام 1981 اتخذ الرئيس السادات قراراً باعتقال أكثر من 1500 شخصية، ما بين سياسيين وصحفيين وأقباط وجماعات إسلامية وطلبة وغيرهم، لضلوعهم فى أحداث الفتنة الطائفية التى وقعت فى يونيو من العام نفسه، كما صرح هو فى خطاب شهير له، غير أن محللين وسياسيين يرون أن حالة الغضب التى تملكت الرئيس وقتها وانتهت بقرارات الاعتقال، كانت سابقة على حادث الفتنة الطائفية بكثير، وربما تراكمت على مدار سنوات طويلة لتتكثف فى تلك الفترة وتنتهى بالاعتقال.

الكاتب والمفكر كمال زاخر يرى أن الفترة كانت لها ظروفها وملابساتها: «وقتها كانت عودة السادات من توقيع اتفاقية كامب ديفيد فى إسرائيل، وفوجئ برد فعل غاضب من الشارع المصرى بسبب ما تم الاتفاق عليه مع العدو الصهيونى، وهو ما لم يضعه السادات فى الحسبان»، يتابع: «الرئيس كان يعتقد أن ذهابه لإسرائيل وإبرام اتفاقية معهم على أرضهم فعل يثير إعجاب مختلف قطاعات الشعب المصرى والتيارات السياسية المتعددة، لكن رد الفعل جاء من خارج الصندوق وعلى عكس ما يريده السادات، ما اعتبره مؤامرة وانقلاباً عليه، يقوده اليسار والناصريون».

{long_qoute_1}

يكمل «زاخر» حديثه ويستعيد ذكريات الماضى: «ظل الغضب ثائراً فى الشارع المصرى حتى إصدار الرئيس قرارات اعتقال لجميع الرموز السياسية فى مصر، من مسلمين وأقباط وشيوخ وكنسيين وصحفيين وطلاب فى 5 سبتمبر عام 1981، وساعد فى تصاعد الأزمة عدم شفافية التقارير التى كانت تُرفع إلى الرئيس، لأنها كانت مضللة وغير ناقلة لصورة الشارع الحقيقية، وكان يصل له ما يحب أن يسمعه فقط، ولما كان يسأل عن حال الشارع يقولون له إن دول أقلية مخربين وده كلام غير صحيح». كل هذا أثر على علاقة «السادات» بالشعب، كما يرى «زاخر»: «انعكس ذلك على مشهد الجنازة، إذ لم يسر فيها سوى الرسميين فقط، على عكس جنازة الراحل جمال عبدالناصر».

لم يكن خريف الغضب فترة وليدة الساعة وقتها، ولكن كان وراءها أسباب متعددة، ذلك ما يرويه أحمد بهاء شعبان، الأمين العام للحزب الاشتراكى المصرى، مكملاً: «فترة خريف الغضب لا يمكن النظر إليها مباشرة دون إدراك خلفيتها التى بدأت عقب هزيمة 1967 حتى عام 1973، ووفاة الرئيس عبدالناصر، وتولى السادات السلطة، حيث كانت فترة احتقان شديد بين المثقفين وغيرهم، ومظاهرات فى الجامعات، ومناخ الهزيمة يضغط على المجتمع بأكمله، والظروف كانت معقدة، وظلت المظاهرات السلمية قائمة فى جامعة القاهرة منذ الهزيمة حتى عام 1977».

{long_qoute_2}

«أما فترة خريف الغضب فبدأت واقعياً، من وجهة نظرى، من بعد حرب 1973 وحتى عام 1981، عندما حقق الجيش المصرى أداء متميزاً فى الحرب وخذلته المساومات السياسية التى تمت بعدها» حسبما يروى «بهاء»، يتابع: «أصبنا العدو بخسائر كبيرة، وكان يجب أن يتم الاستمرار فى الضغط حتى نجنى جميع الثمار من وراء العبور، لكن فوجئنا بأن الرئيس يعلن أن حرب أكتوبر هى آخر الحروب، ونحن لم نحصل على كافة حقوقنا، والحرب ما زالت دائرة، ويوجد أيضاً أجزاء من أرضنا محتلة، وتلا ذلك إعلان انتهاج سياسة الانفتاح الاقتصادى بديلاً عن السياسات الاشتراكية، أو ذات الطبيعة الاجتماعية التى كانت فى عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر».

ليست هذه الأسباب وحسب سبباً فى خريف الغضب، يستطرد «بهاء»: «مع الانفتاح الاقتصادى تدهورت أحوال المجتمع تدهوراً كبيراً، وكنا وقتها نعانى من نتائج هذه السياسات، وظهر ما يسمى أيامها بالقطط السمان، وهم لصوص المال العام ومن أثروا ثراءً فاحشاً من نهب ممتلكات الدولة وخيراتها، فبدأ ينمو شعور لدى قطاعات واسعة من المجتمع أن الدولة باعتهم، وكذلك الفقراء شعروا أنه ليس لهم مكان للعيش فيها، وخصوصاً بعدما اتجه السادات إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت هناك وعود بأن المستثمرين الإمريكيين عندما يأتون إلى مصر سيعم الرخاء، وكل مواطن مصرى سيملك عربية وفيلا، وفجأة فى مساء 17 يناير 1977 أعلنت الحكومة المصرية رفع جميع أسعار السلع الغذائية، وانتفضت الجماهير فى الشوارع، وسماها السادات وقتها بانتفاضة الحرامية، لكنها فى الحقيقة انتفاضة شعبية خرج فيها الناس للاعتراض على رفع الأسعار بدون إنذار ولا تمهيد، بعدما منّاهم الرئيس بحياة أفضل».

{long_qoute_3}

كل هذه الأسباب أدت إلى جعل السادات فى عزلة تامة عن الشعب، حسبما يصف «شعبان»: «بعد كل هذه الأحداث دخل الرئيس فى صدام حاد مع كل معارضيه من مختلف تيارات الشعب، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وزاد الأمر سوءاً ذهابه إلى القدس وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد منفرداً، وقدم فيها تنازلات بخصوص سيناء».

«السادات آنذاك دخل فى صدام مع معارضيه فقط»، على حد قول السيد عشماوى، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب، جامعة القاهرة، وأضاف: «السادات ابن ظروف زمانه، وكانت توجد قطاعات من الشعب المصرى تمثل المعارضة بنوعيها، صورية أو شكلية وأخرى أشبه بمعارضة حقيقية، لكن الشعب المصرى بكل قطاعاته كان فى حالة أشبه بتأييد السادات فى كل خطواته، لأن منهم من استفاد من الانفتاح الاقتصادى، ليس الجميع تضرر من ذلك، والحقيقة أن معظم قطاعات الشعب المصرى تبحث فقط عن لقمة العيش، لا تشغلهم السياسة كثيراً، فبالتالى المعارضة وقتها كانت أقلية وسط المجتمع المصرى والقطاعات المستفيدة من الانفتاح الاقتصادى وهم كانوا أصحاب الثروات والنفوذ، حتى بعد كامب ديفيد استقال عدد كبير من أصحاب المناصب وأصبحوا معارضين للاتفاقية، وسافروا خارج مصر».

وتابع «عشماوى»: «الاعتقالات كانت بمثابة الضربة القاضية للمعارضين، ولم يكن لها بديل وقتها، حتى تخطى العدد حاجز الـ1500 مواطن من مختلف القطاعات، وكانت أيضاً بسبب الضغوط التى كانت على عاتق السادات، لكن الانفتاح الاقتصادى كانت مساوئه أكثر من إيجابياته، والعامل الرئيسى الذى أدى إلى ذروة خريف الغضب هو توقيع اتفاقية كامب ديفيد»، موضحاً: «لجأ السادات إلى الإفراج عن جميع التيارات الإسلامية وخروجهم من المعتقلات حتى يواجهوا التيارات القومية المعارضة له، لكن فى نهاية الأمر قاموا باغتياله، وفى النهاية خريف الغضب كان أزمة مصر السياسية والاقتصادية من وجهة نظرى، لأن أحلام الانفتاح تبخرت، وفى رأيى أن مظاهرات 17 و18 يناير التى أطلق عليها السادات انتفاضة الحرامية عام 1977، كانت نقطة الانطلاق إلى زيارة إسرائيل، وذلك ما قاله محمد حسنين هيكل فى كتابه (خريف الغضب)، بمعنى أصح أن الحل بكل بساطة فى نظر السادات كان يتلخص فى السلام والاستقرار بالنسبة لمصر، لأن ذلك شىء مهم جداً لمشاريع الانفتاح الاقتصادى التى كان يرغب الرئيس فى تنفيذها من أجل جلب الاستثمارات من الخارج، على أساس أن الفترة السابقة وهى من بعد انتصار أكتوبر عام 1973 تُرك الباب على مصراعيه للانفتاح، لكن حدث ما لم يكن يتوقعه الرئيس وقتها، وبدأت الحالة الاقتصادية فى تدهور كبير جداً وكانت الناس تخرج فى مظاهرات وتردد أن الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقراً».

ويواصل «عشماوى»: «رغم اعتقاد السادات أن زيارته لإسرائيل هى الحل لأزمة مصر الاقتصادية، ظلت القضية الوطنية تتأرجح من وقت الانتفاضة الشعبية حتى عملية الاغتيال، والأزمة الاقتصادية ظلت قائمة وأعنف مما كانت عليه من قبل، لأنه ربط نفسه بنمو واقتصاديات رأسمالية، ولم يكن يوجد وقتها رأسمالية وطنية حقيقية، ما أدى إلى ظهور ما يمكن أن يطلق عليه (الرأسمالية الطفيلية)، مثل الوكلاء أو الوسطاء ما بين مصر والشركات الأجنبية، وظل السادات خلال هذه الفترة يعد الشعب أن عام 1980 ستخرج مصر من عنق الزجاجة، وعندما جاءت سنة تنفيذ وعده وجد نفسه غير قادراً على التنفيذ، لأنه ليس من الممكن أن يتخذ أى إجراءات وقتها لأن الاقتصاد له دوراته وارتباطاته الخارجية».

«فى 3 سبتمبر عام 1981، ألقى الرئيس خطابه الشهير، وبعدها تم اعتقال ما يزيد على 1500 من المثقفين والسياسيين المسلمين والأقباط والطلاب وعندها تصاعدت أزمة خريف الغضب»، بحسب ما تروى أمينة النقاش، نائب رئيس حزب التجمع، وأضافت: «الشعب استقبل الرئيس الراحل بمظاهرات تأييد بعد عودته من القدس بعد أن وعد المصريين بحالة من الرخاء، فى أعقاب توقيع الاتفاق، واللى كان عارف إن توقيع الرئيس للاتفاقية محفوف بالمخاطر هى أحزاب المعارضة، لأنهم اعترضوا على عقد الاتفاقية وتم اعتقال المعارضين، وتكونت جبهة وطنية عريضة دعا إليها حزب التجمع مكونة من الشخصيات العامة والأحزاب الأخرى، لرفض مشروعه للسلام والتسوية مع إسرائيل وفى هذه الفترة قطعت جميع الدول العربية علاقاتها مع مصر، وحدثت تحولات أخرى وأصبح السادات فى عزلة عن الشعب، انتهت هذه المواجهه بين القوى السياسية والأحزاب والرئيس السادات فى حملة سبتمبر الشهيرة، وأودع فى السجون كل من عارض مشروعه السلامى».

لم يكن السادات ينوى أن يظل المعارضون فى السجون لفترة طويلة، على حد قول «النقاش» موضحة: «الاعتقال كان هو الخيار الوحيد أمام السادات، وعندما تحدثت إليه زوجته أخبرها بأن جميع المعارضين فى السجون سيُفرج عنهم عندما يتم استرداد سيناء كاملة، لأنه كان يريد تثبيت الاتفاقية أولاً والحصول على كافة حقوق مصر، وكان يظن أنه ذو مكانة خاصة لدى الشعب بسبب خوضه لحرب أكتوبر وأن الشعب سيغفر له كل شىء».


مواضيع متعلقة