سمير عمر سمير عمر الأراجوز الذى تمنيت أن أكون
10:03 م | الإثنين 11 فبراير 2019

كنت صبياً لم أتجاوز السنوات العشر حين بدأ التليفزيون المصرى فى بث مسلسل «عبدالله النديم» خطيب الثورة العرابية، الذى كتبه يسرى الجندى ولعب بطولته عزت العلايلى، ساعتها كانت الدراما بمثابة المدرسة المرئية، بكُتاب مثقفين ومخرجين متميزين وممثلين مبدعين، وكانت مشاهدة مسلسل السابعة والربع مساءً موعداً للاجتماع اليومى لغالبية العائلات المصرية.

كنت ممن يتعاملون مع التليفزيون بتقدير بالغ فهو النافذة الواسعة التى تفتح أمامى فأطل من خلالها على عوالم مختلفة وأطلع على ثقافات متنوعة من «جولة الكاميرا» إلى «عالم الحيوان» ومن «عالم البحار» إلى «غرائب وطرائف» ومن «العلم والإيمان» إلى «اخترنا لك» و«نادى السينما».

غير أن مسلسل «النديم» كان له وقع مختلف فى حياتى وتأثير عميق على تشكيل وعيى فى هذه السن المبكرة.

كان حضور عزت العلايلى طاغياً حتى إننى تصورت أن النديم كان حتماً يحمل ذات الملامح ويتحدث بذات الطريقة.

أبهرتنى شجاعته وقدرته على التخفى لعشر سنوات عن أعين البوليس، وأدخلتنى حواراته وسجالاته مع أقرانه ومن عاصروه فى جدل مع نفسى فتمنيت أن أكون مكانه وأن أُمنح موهبته وقدرته الفذة على «التنكيت والتبكيت»، وحين نقل المسلسل بحرفية بالغة لقاءه الأول بالشاب «مصطفى كامل»، الذى سيصبح زعيماً وطنياً لاحقاً، أعجبتنى إجابته حين سُئل عما سيفعل بعد أن سُدَّت فى وجهه أبواب الاشتغال بالسياسة، فرد بخفة ظل لا تخلو من حكمة «هرجع أراجوز»، ساعتها انفعل مصطفى كامل ولم يدرك ما يحمله هذا الرجل النحيل الذى كان يعانى من فائض الموهبة من خطط لمولوده الجديد الذى سيصبح «الأستاذ» الإصدار الأسبوعى الذى نجح بعد أعداد قليلة فى كسب ثقة الجميع من كتاب ومبدعين وقراء.

أراجوز؟!

نعم، أراجوز وأدباتى ومبدع كبير ومثقف واعٍ وخطيب مفوه ووطنى يعرف جيداً قدر وطنه.

هذا تماماً ما كنت أتمناه أنا لنفسى.

لم يعمر النديم طويلاً ومات فى الرابعة والخمسين بعد معارك عديدة خاضها بنبل وشرف قبل أن يموت وحيداً فى «الآستانة».

وترك النديم إرثاً جديراً بالقراءة والدرس واستخلاص العبر ليمهد الطريق لمن سيأتون من بعده بحكمته وصلابته وقدرته الفائقة على تلخيص أفكاره لتظهر فى صورة نثر بليغ أو شعر بديع.

فى كتابه «كان ويكون»، الذى يكاد يكون مذكرات أو ذكريات أو هو أقرب للتاريخ كما يقول الأستاذ الدكتور عبدالمنعم الجميعى الذى عكف على دراسة الكتاب وتقديمه للناطقين بلغة الضاد، هذا الكتاب المهم والثرى والمكتوب بلغة شيقة وجذابة، يقول النديم فى التعريف بنفسه: رجل عربى الجنس، حسنى النسب، إسكندرى المولد والمربى، إسلامى الدين، أشعرى العقيدة، شافعى المذهب خلوتى الطريقة، مصرى الوطن.

ويواصل النديم تعريفه لنفسه قائلاً: تربيت على نفقة والدى حتى يفعت وأخذت عن العلماء الأفاضل كثيراً مما يشتغلون به من السمعيات والعقليات وجالست الأدباء وشاركتهم فيما فيه يتناقشون.

ويقول النديم: تعلقت بمطالعة الجرائد مدة، واستخدمت فى الحكومة المصرية زمناً، واتجرت برهة، وفلحت حيناً، وخدمت الأفكار بالتدريس وقتاً وبالخطابة والجرائد آونة.

ثم يقول: واتخذت هذه المتاعب وسائل لهذا المقصد الذى وصلت إليه بعناء كسانى نحول الشيخوخة فى زمن بضاضة الصبا وتوّجنى بتاج الهرم الأبيض بدل صبغة الشباب السوداء.

يا الله، كل هذا الثراء والتنوع والبلاغة تجمَّع فى رجل كان عمره تسعة وثلاثين عاماً فقط حين كتب هذا الكتاب خلال فترة هروبه!!

إن سيرة النديم «الأراجوز» الذى كنت أتمنى أن أكون جديرة بالدراسة، ولعل المشتغلين بمهنة الصحافة والكتابة أو المنشغلين بالسياسة وهموم الوطن فى أيامنا هذه هم الأحوج لمراجعتها، وساعتها سيكتشف كثيرون منهم كم هم صغار.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل