أولاد الناس.. وأولاد البلد
- أولاد البلد
- التراث الشعبى
- الحيطة والحذر
- الفريق الثانى
- على الزيبق
- فى مصر
- كتب التاريخ
- محمد على
- مناسبات السعيدة
- آثار
- أولاد البلد
- التراث الشعبى
- الحيطة والحذر
- الفريق الثانى
- على الزيبق
- فى مصر
- كتب التاريخ
- محمد على
- مناسبات السعيدة
- آثار
«انت ابن مين فى البلد؟».. «انت ماتعرفش أنا ابن مين؟». لا تزال هذه العبارات تتسكع فى شوارعنا وثقافتنا حتى اليوم، وهى ترتد بأصلها إلى الثقافة المملوكية. المماليك، كما تعلم، كانوا عبيداً استجلبهم الخلفاء والأمراء ووظّفوهم كأداة حماية لملكهم. وقد عكس وصولهم إلى سدة الحكم فى مصر مفارقة عجيبة، حين أمسى العبد المملوك حاكماً لأولاد البلد الأصلاء. فى هذا السياق تستطيع أن تفهم سعى المماليك إلى بناء صورة زاهية لأنفسهم تتأسس على أبهة الحياة، وعلى الإحسان إلى المصريين. الصورة الزاهية تستطيع أن تستخلصها من تخيّل وصف القصور والبيوت التى عاشوا فيها من خلال ما سطرته الكتب، أو عبر ما تشهد عليه آثار دولتهم، أما الإحسان إلى الرعية، فبإمكانك أن تستدل عليه من عدد المساجد والأسبلة (جمع سبيل)، التى بناها المماليك، وجعلوها مأوى للمشرّدين والجوعى والعميان وأصحاب العكاكيز وعابرى السبيل. فى ظل هذا السياق، ظهر مصطلح «أولاد الناس»، للتّعبير عن المماليك، ومصطلح «أولاد البلد»، للتعبير عن المصريين، الذين عاشوا فى ظل الحكم المملوكى.
كأن سؤال «انت ابن مين فى البلد؟» لا يحتمل إلا واحدة من إجابتين: فإما أن تكون من أولاد الناس، وإما أن تكون من أولاد البلد. إذا كنت من الفريق الأول فذاتك مصونة، وقيمتك محسومة، وأخطاؤك مغفورة، أما إذا كنت ضمن الفريق الثانى، فعليك أن تعالج حياتك بالحيطة والحذر، وأن تحتاط فى سلوكك، حتى لا تضع نفسك فى مرمى العقوبة. «ابن البلد» مطالَب باستمرار بأن يرتكن إلى ما يتمتّع به من مكر وحيلة، إذا أراد النَّيل من المماليك «أولاد الناس»، تماماً مثلما فعل «على الزيبق»، الذى يحكى التراث الشعبى قصته، ويتغنّى فيها بمهارته، وعجيب حيله التى مكنته من رقبة المملوك «صلاح الكلبى». ولا يعنى ذلك بحال الظن بأن مشاعر «ابن البلد» نحو «أولاد الناس» أو «أولاد الذوات» كانت كلها كراهية. فلا تخلو كتب التاريخ من مواقف تشهد على وجود إحساس كامن لدى البسطاء باحترام وإجلال «أولاد الذوات»، حتى لو تسلطوا عليهم، أو أوجعوهم معيشياً. ولعلك تعلم نظرية «التماهى بالمتسلط» التى تدفع الخاضع فى بعض الأحوال إلى احترام موقف من يتسلط عليه، إيماناً بضعفه الذاتى، واحتراماً منه لفكرة القوة التى يمتلكها «أولاد الناس». ويتعمّق إحساس التماهى بالسلطة، إذا لجأ «ابن الناس» إلى الإحسان من حين إلى آخر إلى «ابن البلد»، مثلما كان يفعل المماليك من خلال نفح الفقراء بمائدة طعام فى المواسم والأعياد، أو إلقاء بعض قطع الفضة أو الذهب لهم فى المناسبات السعيدة.
لكن التماهى مع المتسلط لم يكن يدفع «ابن البلد» إلى التحرك لنجدة «ابن الناس» عندما يجده فى مأزق. فقد كان يكتفى فى هذه الحالة بممارسة هوايته المفضّلة فى «الفرجة»، مثلما كان الموقف خلال مذبحة المماليك (1811). فلم يزد دور أولاد البلد من المصريين فى هذه المذبحة عن «الفُرجة» أو المشاهدة، كما يحكى «الجبرتى». وعندما بدأت الفرق، التى خصّصها محمد على للقيام بالمذبحة، مطاردة فلول المماليك فى الشوارع والأزقة هرع «أولاد البلد» إلى بيوتهم للاختباء فيها، وشرعوا فى تحضير أنفسهم لتقديم واجبات الإجلال والاحترام لـ«أولاد الذوات الجدد»، الذين ورثوا المماليك.